لا أوانَ فائتاً مع عبدالكريم آل زرع

كتب: حبيب محمود

على منضدة البحث والتشريح؛ سيكون لزاماً علينا وضع الشيخ عبدالكريم آل زرع في سياق ما كان يجري في عقد الثمانينيات والتسعينيات؛ من تشوُّف إلى أن تكون القصيدة آتيةً من بحرٍ ما، ونابتة من روحٍ ما، ومتوجّهة إلى جمهورٍ ينتظر المعنى أكثر من تفحّصه المبنى..!

هكذا أدرك الشاعر الشاب، وقتها، أن لديه قضيةً تكاد تكون وحيدة، فاعتنقها إرثاً وممارسة، وبجّلها خطاباً وتعبيراً، وقدّمها لجمهور المنابر، في القطيف، لتكون دليلاً عليه، وبرهاناً اجتماعياً على ما عُرف بـ “الشعر الولائي”. حسناً؛ نحن لدينا ـ إذن ـ شاعرٌ تشغل باله ثنائية المديح والرثاء التي يتبنّاها عدد لا يُحصى من الشعراء ـ وغير الشعراء ـ في محيط مجتمع مسكونٍ حتى نخاع أصغر طفل فيه بـ “المودة في القربى”، وشعر النبي، وشعر أهل البيت، وتعقُّب أجندة العام، من ذِكَر المواليد والوفيات، لتسجيل موقف عقَدي درج عليه الأولون، وسار عليه المتأخرون.

هكذا إذن؛ أراد “عبدالكريم” أن يكون من “شعراء أهل البيت”. وذلك هدفٌ نبيل في الشعر؛ حين كان وسيلة “إعلام” تُنافحُ عن “رهط النبي” في مقابل الآخر المعادي. وعلى هذا؛ رتّب “عبدالكريم” جداول أيامه، ليُصادق على توقيع الكميت بن زيد قبل قرونٍ طويلة:

بني هاشم رهط النبي فإنني

بهمْ ولهمْ أرضى مراراً وأغضبُ

ففي كلّ مناسبة مولد يرضى عبدالكريم بقصيدة، وفي كلّ مناسبة وفاة ـ أو استشهاد ـ يغضب عبدالكريم بقصيدة أخرى. وهو ليس بدعةً في ذلك، ففي القرون المدفونة في التاريخ الإسلامي؛ تترسّخ تقاليد عقائد أدباء وشعراء من ذلك المنظور الذي يقدّم الشعر مقابل الرغبة في الثواب.

قصيدة يرتجلها الفرزدق عند الكعبة؛ ليُحرّر بها منشوراً إعلاميّاً صارماً منافحاً عن رجلٍ يعرفه العرب والعجم أصلاً، ويُفسح له عامة الناس الطريق ليتسلّم الحجر الأسود، دون أن يطلب إليهم، ودون أن يُشير إليهم، ودون أن يستعين بأحد لإزاحة الزحام..!

قصيدة مرتجلة، ربّما وصلتنا بعد تمحيص وتنقيح وحذف وإضافة، لكنّ جوهرها الأصل كان على صلة برغبة نائية جداً عن أهداف شعراء ذلك العصر، بل وعن الأهداف التجارية لشعر الفرزدق نفسه. وهذا الجوهر؛ تفتّقت عنه مجاميع هائلة من شعر المدائح النبوية، وشعر أهل البيت، وراكم تجارب من نوعٍ خاص من الأدب العربي. ربما لم يُدرس هذا الأدب على النحو اللائق، فنياً وثقافياً، بيد أنه يبقى إشارة تاريخية اجتماعية إلى ما لا نظير له في تاريخ الأدب، وعلاقة الثقافة بالإعلام وسائر المسائل النفعية.

ويبدو أن الاستطراد طال؛ وغايته هو العودة إلى ذلك الشاب الناحل ذي الغترة البيضاء، بلا عقال، وإلى طالب العلم الذي تقدّم كثيراً في التحصيل دون عمامة، وإلى ذلك المشتّت ما بين “بدلة أرامكو” في معامل التكرير، وبين العمل الخيري في جمعية تاروت، وبين مخالطة مجتمع، ورعاية أسرة، وفوق ذلك؛ حضور متواصل في المنابر، وفوق ذلك أيضاً؛ الانضواء إلى مجموعة من الشبّان يكتبون الشعر، ويطرقون أبواب الأدب، ويتخالفون، ويتصادمون، ويعضدُ بعضهم بعضاً.

وهو لم يكن أحدهم فحسب، بل كان أحد الرعاة، وفاتحَ قلبه وبيته لاستيعاب تلك “الشلّة” التي عرفها الناس بـ “منتدى الغدير”، في مجد الزهو الاجتماعي العقدي في القطيف. وما يجدر بذكره إزاء “عبدالكريم”/ الشيخ/ الأستاذ/ الناشط/ الموظف/ الأب/ الصديق، وسائر الخليط الذي مثّله وأتقنَ صهره في يومياته؛ هو ألّا يغيب عنك، حتى وهو غيبته ودورة انشغاله بما آلت إليه أموره.

ما كان جائزاً له أن يتأخر في نشر شعره بين غلافين. وما كان مقبولاً منا أن نغفر له هذا السهو. ولكن “عبدالكريم” هو “عبدالكريم”.. لم يكتب الشعر من أجل أبعد من أن يكون نسخةً من نية ذلك الغضب الذي قاله الكميت، وفعله الفرزدق، وأصرّ عليه دعبل، وتمسك به مئاتٌ من الموقنين.

اقرأ أيضاً

سلامَـاً شيخ الشُّعراء

بيت الحكمة.. خدع عبدالكريم آل زرع.. فانخدع…!

على هذا النحو رأيتُ عبدالكريم زرع

زر الذهاب إلى الأعلى

 

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×