أبو سيبويه.. يحمل أول ترخيص “متحف شخصي” في القطيف جولة ساعتين، وآلاف القطع في 9 غرف.. وفي النهاية "ما شفنا شِيْ"

"صُبرة" تستعرض المتحف عبر 55 صورة خاصة

صُبرة: خاص

لا يبدو منزله مختلفاً عن أي بيت على طراز البناء القديم في القطيف. بيت “عربي”، مثل آلاف البيوت، عليه مسحة قليلة من تحديث، يفصله زقاق ضيق عن بيوت أخرى، وشارع يشق البلدة، ورصيف. لكن البيت من الداخل مسكونٌ بقرونٍ طويلة، وبلاد كثيرة، وجدت طريقها إلى غرف المنزل وممراته وزواياه، على مدى عشراتٍ من السنين. وهكذا تحوّل منزل الملا محمد علي الناصر، المعروف بـ “أبي سيبويه”، متحفاً شخصياً، وأصبح أول متحف شخصي، في محافظة القطيف، يحصل على ترخيص هيئة السياحة والآثار، موقعاً من رئيس الهيئة شخصياً؛ الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز.

منزل أبي سيبويه كما يبدو من الخارج

أبو سيبويه..!

يحمل “أبو سيبويه” كُنيته منذ أكثر من أربعة عقود. أطلق هذا الاسم على ابنه الأكبر متأثّراً بالنحويّ الشهير. لكن الناس لم يألفوا مناداة “سيبويه” صحيحاً. والابن لم تعجبه طريقة مناداة الناس إياه.. سيباويْ.. سيبويْ.. ضاق الولد باسمه، وألحّ على أبيه في تغييره، وهذا ما تمّ قبل بلوغه سن العشرين.. تغيّر اسم “سيبويه” إلى “أحمد”. لكن الكُنية الأولى ثبتت بين عارفي الملا محمد علي آل ناصر..!

المُلّا

في سيرة الملا آل ناصر تعدّدُ ملأ حياته باهتمامات كثيرة. نشأ في بيت والده الملّا حسن الذي أمِل منه أن يكون امتداداً له كطالب علم. أدخله التعليم التقليدي، ثم ألحقه بالمدرسة الابتدائية وقت افتتاحها في القديح، ودخل الصف الرابع مباشرة، لإتقانه القراءة والكتابة. وفي ذلك السن المبكر؛ نشر كتاباً جمع مادته من كتب كثيرة، ووضع عنواناً له هو “الله الخالق القدير”. وهو الكتاب الذي طُبع له حتى الآن.

أرسله والده إلى النجف، أواخر الستينيات، برفقة صديقه عبدالكريم بن محمد علي الشيخ. درسا بعض المقدمات التي تُدرَّس في الحوزة. ثم عادا ليشقَّ كلٌّ منهما طريقه.

بعد عودته من النجف؛ امتهن التعليم في “الكُتّاب” الخاص به، ومارس الخطابة، وكتابة الشعر، والتأليف، وجمع الآثار والتحف القديمة، والأحجار الكريمة، والساعات، والمخطوطات.. وعلى مدى عقود طويلة؛ أصبح واحداً من أكثر هواة الآثار اقتناءً في محافظة القطيف كلها.

كم عددها..؟

لم يُجبنا “أبو سيبويه” حين سألناه عن عدد القطع الأثرية التي يزدحم بها منزله. أسئلة كثيرة لم يُجب عنها. لكنه منحنا حق مشاهدة ما هو أهمّ من الأسئلة. قادتنا المشاهدة إلى آلاف القطع، على رفوف، دواليب، جدران، منصات، زوايا. ليس ثمة مكان في البيت ليس فيه أثر من الآثار. كلّ البيت متحف، باستثناء جزء من الدور الأرضي؛ اتخذه “أبو سيبويه” سكناً له ولزوجته..!

بيت مشترك

كان البيت مشتركاً بين “أبي سيبويه” وشقيقه الوحيد الأصغر سناً. انتقل الشقيق إلى منزل جديد. ثم تزوج أبناء “أبي سيبويه” وبناته، واستقل كلٌّ منهم بمسكنه. وهكذا آل سُكنى البيت إلى الزوجين اللذين عادا وحيدين من جديد. وهكذا ـ أيضاً ـ وجد “أبو سيبويه” فرصته لإخراج مخزونه المتكدس عبر سنوات طويلة، وتوزيعه على جزء من الدور الأرضي، ودورين آخرين، ويجعل من البيت كاملاً متحفاً مقسّماً على أقسام منظمة.

الساعات.. كم..؟

على سبيل المزاح؛ حاولنا إحصاء الساعات الموزعة على أدوار المنزل الثلاثة.. في المجلس 23 ساعة، وفي إحدى غرف الدور الأول 46 ساعة، وفي غرفة ثالثة 9، ثم ساعتان في غرفة رابعة.. توقفنا عن الإحصاء؛ لأن الساعات أكثر من أن تُحصى. ساعات من الماركات والأنواع والمراحل التاريخية.. جدارية، واقفة، صناعة يدوية، وماركات تاريخية، ساعات يد، حتى نموذج الساعة الرملية موجود.. ولم يجبنا الرجل عن سر كل هذا الوقع..!

في الدور الأول

صعدنا إلى الدور الأول؛ فكان السلم مكاناً لا يخلو من عرض.. كانت هناك “جفنة” في زاوية.. و “قدو” في زاوية أخرى. وما إن وصلنا صالة الدور؛ حتى ظهرت الجدران بساعاته، ودولاب المصاحف، وأدوات الكتابة القديمة، والمسابح، والأحجار الكريمة، وحليّ فضية نسائية.. ثم جاء دور المصاحف.

المصاحف.. قصة مستقلة بذاتها. مصاحف من كل الأحجام.. أصلية، نسخ يتيمة، في عمر قرون، مخطوطات بقصب خطاطين حبّروا أسماءهم في التاريخ. طبعات حجرية. طبعات حديثة. المصاحف ـ وحدها ـ في حاجة إلى استعراض نهار كامل، خاصة أنه يشحّ بالإجابات.. يتهرب من الأسئلة.. يقول لك “انظر”، وبالكاد يقول “اسمع”.. وأمام مصحف ضخم الحجم؛ أشار إلى تاريخ تحبيره.. إنه سنة 1294هجرية.. لكنه لم يجب عن سؤال: ما هو تاريخ أقدم مصحف لديه..!

6 عوالم..!

في هذا الدور 6 غرف.. كلٌّ منها عالم قائم بتفاصيل محتوياته.. أكثرها ازدحاماً غرفة في الزاوية الغربية الجنوبية.. حضرت الساعات مجدداً، وعُرضت أوانٍ منزلية مكتوب أسفلها تواريخ صناعتها.. كتب الملا عند بعضها إنها من القرن الخامس عشر الميلادي.. لسنا من الخبرة بحيث نقبل ـ أو نرفض ـ الإفادة. ثم عرض علينا أواني قال إنها من العصر الصفوي، ومن عهد السلاجقة. رائحة التاريخ حاضرة في المكان كله، وفي الغرفة ما يكفي لإثارة الدهشة من كل جهة. النحاسيات والخزفيات والعاجيات والفضّيات.. كل شيء منها يظهر في لوحة، أو ساعة، أو آنية، أو “غليون”.. وقد يظهر فيما لا يخطر على توقع..!

دهشة ثم دهشة..!

الغرف الخمس الأخرى في الدور الأول تُكمل تتابع الدهشات أيضاً. يواصل “أبو سيبويه” طريقته: “اقرأ هذا”، و “اسمع هذا”، و “انظر هذا”. و “لا تسأل عن الخبر”، كما يقول شاعر عربي قديم. وغالباً ما تكون المشاهدة صانعة دهشة تتلوها دهشة.

في إحدى الغرف؛ أبواب أثرية جداً من أبواب بيوتات القطيف القديمة. ذلك النوع من الأبواب المحترَف جداً بنقوش ورموز لا يملكها إلا علية القوم.

وفي غرفة أخرى طبعة حجرية من كتاب شهير، مثل “بحار الأنوار”، أو مجموعة “سبحات”، أو تشكيلة من نحاسيات ثمينة. الجو حارٌّ، وأجهزة التكييف لم تُشغّل قبل وصولنا. والقطع كثيرة، والوقت يتآكل. ومفاجآت الرجل لا تتوقف، ومقتنياته لا تنتهي، وغرفه تتنافس في العرض…!

ما شفتو شِيْ

صعدنا السلّم إلى الدور الأعلى من المبنى. قال إنه خاص بمقتنيات من بيئة القطيف القديمة. لكن فيه ما هو من القطيف ومن غير القطيف. وفيه جزءٌ من المكتبة أيضاً. لكن المكان يصلح غرفة نوم أيضاً. فيه سرير خشبيٌّ من مقتنيات أغنياء الزمن القديم، فيه جهاز مذياع قديم ما زال يعمل. شغّله “الملا”؛ فظهرت الأنشودة الشهيرة “بلادي بلادي منار الهدى”. ولأن “أبا سيبويه” يتحفّظ في استخدام الموسيقى؛ أطفأ المذياع، لكننا طلبنا تشغيله.. إنها أنشودة وطنية.. لا أغنية..!

كان الدور العلوي خاتمة الجولة. نزلنا إلى الدور الأرضي، وأكمل “أبو سيبويه” ضيافتنا. وفيما رحنا نناقش بعض ما شاهدناه؛ تبسّم الملّا ابتسامة فرح، ثم قال: ترى انتون ما شفتو شِيْ..!

 

شارك في الزيارة

  • حبيب محمود
  • محسن الخضراوي
  • صبحي قاسم
  • فتحي عاشور.

متحف “أبو سيبويه” مفتوح للزيارات العامة.. بالحجز

‫2 تعليقات

  1. الله يعطيه الصحة والعافية وطول العمر
    بصراحة عمل جميل وجبار ان يقوم بجمع كل هذه المقتنيات
    الله يبارك له وفيه

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com