المنبر والعزف على وتر العاطفة

منتظر الشيخ

يصعد الخطيب فوق المنبر، وتعتقد للحظة أنه سيبدأ فصلاً من فصول العلم، وأنه سيضع نظرية ما موضع البحث، ثم سينفق في خطبته ما يشرح هذه النظرية وما يثبتها وما يضدها، لكنك تُفاجأ بأنه انتهى وهو لم يبدأ أصلا..!

غاية كثير من الخطباء والرادودية ألا يتحدثوا إلى عقلك، فهم لم يجتهدوا في التحضير ليخاطبوا هذا العقل البسيط على فهم العمق الديني و أثر فلسفته، فغايتهم القصوى أن يحاكي قلبك وعاطفتك.

يريد الواحد منهم أن يُقنعك بقضية من القضايا، ورأي من الآراء وهو يتحاشى فيها أن يخاطب العقل، وإنما يتخذ سبيل العاطفة ليقنع العقل! وهنا يجب أن أوضح أنني لا أعني أن كل المنابر لديها طرح عاطفي بحت، بل أدعي أن هذا اللون هو الطاغي في معظمها، وإلا فهناك منابر دينية تقدم طرحاً علمياً قيّماً، يستحق الإصغاء والاستماع.

ولهذا يغلب على معظم الشعائر كذلك طغيان الجانب العاطفي على الجانب العقلاني، فإن سألت الكثيرين عن أسرار عُقلائية في  التحاقهم بهذه المواكب و التجمعات المختلفة، فإن أغلب الظن ألا يكون لديه تفسير لها سوى الميل العاطفي، إنه يريد ذلك لأن لديه ميولاً نفسية إليه، والوقفة العقلية تتقيد بالروابط السببية التي تجعل من الأفعال عناصر متباينة تؤدي في النهاية إلى نتيجة مطلوبة (هدف)، أما العواطف فتأخذ صاحبها إلى طرق تحببه النفس بغض النظر عن النتائج، بل إن الكثير لا ينتظر نتائج ملموسة من أفعاله العاطفية.

وصراع المنبر والناقد، دائماً ما يكون بين هذه الجزئية، وبين أيهما يقدم على الآخر..؟

العقل والعاطفة، صراع وخصومة لا تحتمل الجد، وكذلك لا تحتمل المزاح، ويسرف كل منهما في الإساءة إلى الآخر، كل بأدواته ومنبره، فالمثقف لا ينفك عن استخدام البذاءة ليقهر الخطيب وخطابه، والخطيب لا يتورع عن الكذب و التهريج لتحريك عواطف الناس ضد المثقف، إنه صراع لن نجد له نهاية، بل إن نهايته لن تخدم الفريقين؛ إن أحسن كل طرف في تقدير الخلاف و الاختلاف، وأهميته.

وأنا غالباً لا أعلم متى بدأ هذا ولماذا؟، ولكن أعلم أنه لو ظن المثقف العزيز أنه سيغير كل هذا بـ “شخطة” قلم أو تغريدة فقد أساء التشخيص، كذلك لو ظن الكثير من الخطباء أنهم سينجحون في ثني هؤلاء عن الكتابة فيهم وتخطئة ما يقولون أو يفعلون فقد أساؤوا التشخيص كذلك.

إن هذا النوع من التدافع الفكري بين المنبر والناقد، يجب أن يأخذ على أنه حالة صحية، تخدم الدين والفكر والمجتمع، النقد والمساءلة سيدفعان إلى حالة توازن، ويعيدان إنتاج الهوية الثقافية والدينية، ويأخذانها من حالة الخمود والجمود، إلى حالة أكثر تفاعلية مع قضايا الزمان والمكان.

وأنا هنا لا أبغي نفي العاطفة وترجيح العقل، فالعاطفة جزء من الحياة الوجدانية، وإن خلق حالة توازن بين العاطفة والعقل، ضرورة لتوازن الذات، لكن نتاج الخطاب العاطفي المحض سيخرج منتجات عديمة التفكير، وإن فكرت فإنها ستسخدم عقلها بطريقة مشوهة، قد تصل إلى حد التطرف، سينتج أفراداً كربونيين يشبه بعضهم بعضاً، وحينئذ تموت الفردانية، و يمرض التنوع لصالح جمعية هشة وسرابية.

إن العزف على وتر العاطفة يخرج كثيراً من الأفكار عن سياقها، ويسهم في ممارسة الكثير من التدليس والتسقيط للآخرين، بل إن معظم القصائد المبثوثة عبر المواكب، اذا أرادت تمرير فكرة اجتماعية أو سياسية، أو التبشير بشخصية ما أو تسقيطها، إنها تستخدم أدوات الخطيب، ورادودية الملا، عن طريق دس الشعارات العاطفية الحماسية، ولم يكن الترند الشيعي العالمي ببعيد عن هذه الصراعات، فأنشودة “سلام فرمنده”، أو “سلام يا مهدي”، نجد لها عشرات النسخ المختلفة، وكل نسخة كانت تتسابق لتضع قديس الجماعة المرجعي، أو الحزبي بجانب المهدي المنتظر، فالإيرانيون مثلاً وضعوا الخامنئي وسليماني، و العراقيون كل نحو هواه، لكثرة القديسين هناك، وحركة أمل اللبنانية وضعت موسى الصدر، و الأفغان والباكستانيون كل رفع صورة ليربط فيها العقول عاطفياً بصاحب الصورة، دون الحاجة لتسويق أفكار، أو عرض توجه صاحب الصورة الفكري والسياسي والعقدي، فقط اربطه بإمام الزمان، وسيتعلق به الناس ويتبعونه.

وهكذا تؤدلِج العاطفة الدينية عقول الناس دون وعي كافٍ.

وخلاصة الكلام: إنه يتحتم على الخطاب الديني أن يكون على قدر عال من الاتزان الذي يجمع بين البرهان كأساس للخطاب، والوجدان كرداء له، وأن الإغراق في الخطاب العاطفي سيجعل الجماهير تميل مع صوت العاطفة الأقوى، لا صوت الحكمة والعقل، ويصبح من السهولة بمكان تحريك هذه الجماهير لتكون سلاحاً مدمراً بيد من يثير عاطفتها، وما التطرف والتشدد والتعصب والطائفية، إلا حصاد لغلبة العاطفة و غياب العقل.

اقرأ ايضاً لمنتظر الشيخ

“ربع الله” والإكراه على الفضيلة

‫6 تعليقات

  1. كل من ينتقد ماهو ديني سيرمى بالتشكيك و الفرقة اذ لم يرمى بالزندقة و الكفر. الدعشنة الدينية متجذرة في كل مذهب و دين و ليست حكرا على السلفية من أجل هذا ستولد الأجيال مثل هذا الشاب لتسأل و تشكل و تضع كل شيء تحت مقصلة السؤال و الشك حتى تصل لجواب الدين الحقيقي…. التسليم بالمسلمات مذهب الراحة الذي لجأ إليه كل من علقوا على هذا الكاتب الرصين بكتابته و لغته /// فرط ضحك يوم سأل محمد أحمد عن عدد المنابر… عد وياي الزاهر و قنبر و زمان الحسناوي و الفالي و خميس و القصاب و المعاتيق و المهاجر و الجفري و الكراني و الردحة كلهم منابر تعتمد على استذرار الدمعة و الخرافة دون الاهتمام بأدنى معايير الثقافة الإسلامية هذا اذا كانوا يمتلكوها

  2. فروخ ما يسمى بالحداثة و أحفاد العلمانية يفرغون حقدهم على التشيع بل الأسلام من خلال تسقيط المنبر الحسيني فكل همهم هو أن لا يكون للحسين صوت حتى تخلوا الساحة لصوتهم بصولون ويجولون فيها ولكن هيهات هيهات

  3. المنبر الحسيني له جانبان الجانب العاطفي والجانب التوعوي وكلاهما يكمل الاخر وادعو الكاتب ان يتبرع ويصبح خطيبا ويتحفنا بنظرياته العقلانية وعلمه الفذ بدل النقد السلبي الذي يساعد على التشكيك والفرقة

  4. عمري يتجاوز الستين وعند بعضهم أشعر بأني رجعت خمسين سنة للوراء فما سمعته آنذاك اليوم يتجدد سماعه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com