[4 ـ 4] الأمريكي الذي قرأ جلجامش.. رجب سمعان والفلسفة

زكي اليحيى

الانسجام في التكوين الثقافي بين ديفيد بوكاتشيو ورجب سمعان جعل منهما شخصية واحدة تبوح بما يعتمل فيها من خلال حوار متصل يظهر بين حين وآخر.  وأصبح من الصعب الانتقال لشخصية رجب سمعان وكأنه منفصل عن ديفيد. المبالغة طبعا كانت في جعل رجب متقدماً على ديفيد، ليس في معرفته عن الشرق بالطبع، ولكن في التكوين الحداثي والحس النقدي والقدرة على طرح الأسئلة.  فقد نتفهم بكل سهولة وجود هذا الحس عند ديفيد وهو القادم من سان فرانسيسكو بعد عشر سنوات فقط من التجمع الشهير للهيبيز بكل ما تمثل هذه الحادثة من منعطف مهم من جهة وبكل ما تحمل من كشف عن طبيعة هذه المدينة ومدى استعدادها لاستيعاب أي فكرة أو أي جماعة ضمن أطر الحرية والتحرر بما هي الممثلة الأهم لكل ذلك في الغرب الأمريكي.

لكن أن يُقَدم رجب سمعان بنفس المستوى من الفكر والثقافة والاستعداد للتحرر، فالتباين بين سيهات وسان فرانسيسكو في السبعينات يجعل من مستوى الحوارات بين ديفيد ورجب أقرب لكتابات تُدَون بأثر رجعي. هذه المبالغة تملك من السحر ما يكفي، والمؤلف بريء منها!  إذ أن من صنع شخصية رجب سمعان هو ديفيد نفسه وليس أحمد شويخات تماما كما قام أفلاطون بوضع كلماته على لسان سقراط!  

إذن فالمسألة لا تقتصر على الشخصية المتنورة لرجب سمعان.  بل أن المؤلف عبر من خلال سرديات ديفيد ليجعل من رجب صوتا أسطوريا، بدون أن يتحمل أعباء مقاربة الشخصية للواقع.  “يا ديفيد، لقد انتهينا بحرص كبير إلى لا شيء، انتبهنا إلى لا شيء. وبنينا حتى….”.  هذه المقاطع في صفحة ٣٦ من كلام رجب سمعان أقرب لصوت مسرحي أوبرالي لا ينسجم مع واقع الحياة لشاب عشريني، ساخر، حتى وإن كان مثقفاً، احتفالياً.  مهما حاول المؤلف من إضفاء ملامح غريبة لتكون الشخصية واقعية، ظلت أبعاده الأسطورية هي المسيطرة. هذه اللاواقعية لشخصية رجب سمعان لم تقلل من الدور المنوط بها فهو الضمير الذي يحب كل الناس، والأجناس، والجغرافيات، والحضارات. وهو الشرق وما يمثل ليكون هو بالتأكيد امتداداً لجلجامش وإلا فكيف تتأكد حياته باحثا ليس عن الخلود فقط، وإنما عن الأمانة أيضا!

نستطيع طبعا أن نلغي كل هذا التدخل لديفيد في تكوين شخصية رجب الأسطورية، ونقول أنها واقعية، ويقع عليها ما يقع على النوابغ، غير المتأثرين بحالة بيئاتهم الثقافية.  بهذا الطرح نستعين بقصة الجواهري مع قصيدته “الثورة العراقية” والتي لو لم تنشر في الصحف العراقية لما صدق أنه كتبها وهو في بداية عشريناته لما تحمل من وعي يفوق الآفاق المتاحة لفتى عشريني في النجف قبيل ثورة العشرين.  طبعا لك أن تتخيل زهو الجواهري وهو يذكر هذه القصة! هذا الزهو الملاصق للشعراء هو أصلاً مكون رئيس لرجب سمعان. وأيضا المغامرة والشغف والحب والقدرة على شعرنة الحياة بحيث تختلط الأسطورة بالحقيقة. وليس أكثر من أن اختفاءه هو تحقق لرؤية شعرية كمن ثمل وأراد احتضان القمر.

قبل أن أنتهي من الكلام عن هذا العمل الرائع، وددت أن أمر ببعض الإضافات والأطباق الجانبية والتي ساهمت في بناء شخوص الرواية واختراق أحداثها بحيث أصبحت ثيمة مهمة وليست ملحقة. فقد ازدحمت الرواية بالتاريخ والفلسفة والفنون والجغرافيات المتعددة منسجمة في الحوارات والأحداث وإن كشفت عن اشتغال حقيقي ودقة في البحث.  وصل بعضها حداً من الكثافة يجعل من بعض الصفحات موضوعات قائمة بحد ذاتها.  فصفحة ٤٩ قاربت بين الترجمة بما هي حاكية عن المعنى وبتعبير الفلاسفة: على نحو ما به يُنظر وليس على نحو ما فيه يُنظر. وتصاعدت هذه المقاربة لتبلغ وحدة الوجود.  على أية حال فالتصوف حاضر بشدة حتى بالمستوى السلوكي ورسالة ديفيد للورا أقرب ما تكون لمريد يصف شيخه. وكذلك في الفلسفة وهو يناقش الواقع والخيال فكان قاب قوسين أو أدنى من أن يستبدلهما بـ(الوجود والماهية).  الأهم طبعا كان “جلجامش” والذي وظفت منه مقاطع بشكل رائع يتسق مع الحوارات والرؤى ولا شك أنها أضفت شيء من روح الشرق؛ لكني لا أعلم إذا ما تغلغلت روح جلجامش على مستوى التكوين للرواية.

توقفت عند “الريفيرا الألمانية” كما لو كنت أستمع لمقطع من أغنية واستُبدلت كلمة مكان كلمة! فلا يوجد ريفيرا ألمانيا بالمعنى الدارج، إلا أن المؤلف وهو ممن له باع في الترجمة أصر على المعنى الإيطالي (الحرفي) للساحل الذي قد يكون لبحيرة أو نهر وليس فقط للدلالة العامة للريفيرا والتي سوف تحكي عن سواحل جنوب فرنسا في أغلب الأحيان! أو أن المؤلف أراد ذلك على لسان ديفيد وهو الإيطالي بدون أي شائبة جينية فيسمي كل ما هو ساحل ريفيرا! 

اقرأ الحلقات السابقة

[3 ـ 4] الأمريكي الذي قرأ جلجامش.. ردّ اعتبار الشرق المعتمد على الغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×