الملا حسن المقيلي.. يتيمٌ صنعته امرأة صوتٌ شجيٌّ.. حافظة واسعة.. وسيرة 83 عاماً من الورع

القديح: صُبرة

يتوقّف اللعب، يصطفّ الصغار على جانبي الزقاق ليُفسحوا الطريق.. يمرَّ الملا حسن على دابّته. يمرُّ الملّا الوقور.. يرمق بنظره الصغار.. “السلام عليكم”.. يردّ الصغار السلام.. يواصل الملا طريقه.. يعود الصغار إلى اللعب..

مشهد عرفته قرية القديح على مدار الأسبوع سنواتٍ طوالاً.. ويتكرر المشهد أكثر في مثل هذه الأيام، أيام عاشوراء. يذرع الملّا طرقات القرية على ظهر دابّته ذاهباً إلى مجلس، وعائداً من مجلس، منذ مطلع شمس النهار إلى ما بعد العصر، حيث يعود إلى مجلس بيته، ليستريح. وبعد المغرب يستأنف عمله على ظهر تلك الدابّة التي رافقته إلى ما قبل سنواتٍ قليلة من وفاته.

ولعلّ الملا حسن المقيلي آخر خطيب في القطيف بقي على التنقل بواسطة الدّواب، وربما لم يركب سيارة في تنقله داخل القرية. لكنّه اضطرّ ـ أواخر حياته ـ إلى استخدام درّاجة هوائية ذات كرسي تعمل باليد.

طبقة الملالي

في القطيف، وقبل النفط، كان “الملالي” يشكلون ما يمكن وصفه بـ “الطبقة الوسطى” في التعليم، بعد طبقة العلماء. ودون طبقة “الملالي” طبقة عامة الناس، وأغلبهم من الأميين. وكلمة “مُلّا” شائعة في المنطقة الخليجية، ويُشار بها إلى “المطوّع” عند أبناء السنة. أما عند الشيعة فهي تعني “الخطيب” المتخصص في القراءة الحسينية، أو معلّم الكتّاب.

والملا حسن المقيلي؛ عاش بين عامي 1330 و 1413هـ. وحتى ما قبل انتشار المدارس النظامية؛ بقي ضمن “الطبقة الوسطى” خطيباً ومعلّماً، في قريته الريفية الواقعة غرب شمال مدينة القطيف.

يُتم مبكّر

83 سنة.. هو كلّ ما عاشه الملا حسن المقيلي. وُلد قبل دخول القطيف الحكم السعودي بسنة واحدة، عام 1330هـ. وبعد 3 أشهر فقط من وفاة والده حسين بن علي بن محمد المقيلي. ولذلك نشأ يتيماً تحت رعاية والدته الحاجة زهراء بنت محمد بن كمال، وزوجها الحاج علي بن صالح الدبوس. ولم يكد يُكمل عامه الثالث؛ حتى أصيب بإعاقة دائمة نتيجة سقوطه في حفرة. وبقي طيلة حياته مشلول القدمين.

ألحقته والدته بـ “معلم” الملا علي القصير، ثم الملا إبراهيم آل توفيق، وعلى يد الأخير؛ “ختم” القرآن، وتعلم القراءة والكتابة وأساسيات الخطابة. كما تعلّم فن الخط على يد السيد محمد الشميمي، وبعض النحو عند الملا سليم قاسم الجارودي في قرية الجراري، غرب قلعة القطيف.

اطلاع ذاتي

هذا النصيب من التعليم؛ ساعده على القراءة والاطلاع على مصادر الفقه والتاريخ والأدب، والتدريب طوّر قدرته على صعود كراسي القراءة يوماً بعد آخر. واتّصفت خطابته بالبساطة والعفوية، كما هي سجية الخطباء التقليديين. وكانت أغلب موضوعاته وعظاً وإرشاداً، وأحاديث من التاريخ الإسلامي، وبالذات التاريخ المتعلق بالنبي وأهل البيت، علاوة على محفوظات واسعة من الأدب العربي، فصيحه وعاميّه.

لين جانب

لكنّ ما حبّب الناس إليه أكثر؛ هو ذلك الهدوء والدعة في علاقته بمجتمعه. ولين حديثه حتى مع الأطفال. كان الملا حسن “جنّاويّاً” كما يعبّرون بالعامية.

في أواخر الثمانينيات؛ قدّم ابنه الشيخ صادق دروساً في اللغة والفقه لبعض الناشئة، كانت الدروس تُقدّم عصراً، وقبيل الأصيل يعود الملا حسن، ويجلس في جانب من المجلس. وقد لاحظ الطلاب مجيء بعض كبار السن في القرية ليحرّر لهم وصاياهم الشرعية. فأغرى تكرار المشهد أحد الطلّاب أن يحرّر له وصيه.. فما كان منه إلا أن قاله له بصوتٍ هاديء جداً “بعدك صغير يا ولدي”..!

ولسنواتٍ طويلة؛ كان يقرأ “عادة أسبوعية” في حسينية آل محمود غربي القرية. وذات ليلة تحدث عن قوم لوط. وبعد القراءة؛ اقترب إليه أحد صبية العائلة ليسأله عن كلماتٍ قالها الملا أثناء القراءة؛ ولم يفهمها الصبي. فأجابه بشرحٍ محترم جداً، وبطريقة أوصلت المعنى، دون النطق بكلمة سيئة واحدة.

اكتسب الملا حسن مقيلي احترام الناس بسيرته وأعماله، وخدمته المجتمع، وورعٍ نادر. وفي الكتاب الذي أصدره ابنه علي تحت عنوان “عبقات من ذكرى والدي” سنة 1428هـ؛ إشارات إلى ترفّعه الشديد عن المادّيات وحطام الدنيا، وسعيه في قضاء حاجات الناس، وتفهّم متطلّبات الحياة على المعوزين.

رحيل

أمضى الملا حسن سنواته الأخيرة في مواجهة أمراض الشيخوخة، وتزايدت متاعبه بعد آخر مجالس عاشوراء 1412هـ، وتمّ تحويله من مستشفى القطيف المركزي إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض، لكنّ تقدّمه في السن حال دون إجراء عملية جراحية ضرورية، واضطرّ الأطباء إلى الاكتفاء بالأدوية المهدئة، حسبما ذكر ابنه علي.

عاد الملا إلى القطيف، لكنّ حالته عادت فتدهورت، فتمّ تنويمه في مستشفى القطيف المركزي مجدداً، وانتقل إلى رحمة الله منتصف ليل 23 ربيع الثاني 1413هـ. ودُفن في مقبرة “رشالة” وسط القديح.

وقد أقيم له حفل تأبين بعد مضيّ 40 يوماً على وفاته، في مسجد الإمام علي. شارك فيه مجموعة من المشايخ والأدباء. وقد جمع ابنه ما ألقاه المشاركون في كتابه “عبقات من ذكرى أبي”.

اقرأ ايضاً

ملا احمد شيخ أحمد.. كافح الملاريا في القطيف وبيشة وجيزان ونجران

الشيخ عبدالحميد المرهون.. خطيب بأمر أبيه

تعليق واحد

  1. راحت ديك الايام وراحت ايامه و الله يحفظ الشيخ عبدالحميد
    و تسلم يمينك على هذا المعلومات القيمة و الله ما تنسى
    شكراً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com