حاج كسول “يُفسد” إحرام حملة كاملة.. ويعيدها إلى “أبيار علي” ذاكرة الشاعر العوامي تستعيد ما حدث في حج سنة 1366

الشيخ حسين القديحي مرشد الحملة.. والحملدار أحمد المرزوق

ذكريات حاج صغير

عدنان السيد محمد العوامي

الحلقة الرابعة

الخروج إلى مكة المكرمة

كان الخروج من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة عصر أحدَ أيام الثلث الأخير من ذي القعدة، وأول المحطات كان مسجد الشجرة، أو ذي الحليفة الشهير بـ(أبيار علي) (1)، وهو ميقات الإحرام من المدينة المنورة، وبعد اغتسال الحجاج، وارتداء الإحرام انطلقت القافلة متجهةً نجو الجنوب.

قبيل الغروب بقليل، حدثت حادثة طريفة كشفت عن مدى التناقض الكبير بين البشر. فعلى العكس من تلك المرأة البطلة بنت الشماع التي سلف الحديث عنها، كان أحد الحجاج معروفًا بالتمارض تهرُّبًا من مشقة العمل (هذا على عهدة ما يتهامس به رفقاؤه) إلى حد أنه كان يقضي (حاجته الصغيرة) في السيارة؛ تفاديًا للنزول، فحتى النزول من السيارة عليه فيها مشقة، والمريض ضيف الله، وهو مقبول العذر.

في إبريق…!

المهم أن الرجل سوَّاها (فعلها) في غوري (إبريق)، ورمى بها خارج السيارة، فتطاير رَذاذُها على الحجاج، فعلا الصراخ بين الغضب والضحك، واستوقفوا السيارة: “طگوا عليه، طگوا عليه، طگوا عليه، طگوا عليه”، يعنون: اطرقوا سقف غمارة (مقصورة) السيارة كي يوقفها السائق. فعادت السيارة للميقات ثانية، وجدد الحجاج الغسل، بإشارة من مرشد الحملة الشيخ حسين ابن الشيخ علي القديحي (رحمه الله).

توقفت القافلة في بلدة عشيرة، وفيها ضربت الخيام، لتقوَّض في الصباح معاودة سيرها نحو بلدة المسيجيد، ومنها إلى رابغ، ورابغ بلدةٌ على ساحل البحر الأحمر استمتعوا فيها بطعم السمك الطري الذي افتقدوه منذ مغادرتهم القطيف.

نخل أبي جهل

كانت الطريق التي سلكوها وعرة بما تحمل الكلمة من معنى، تكثر فيها التلال الصخرية وشجر الحنظل، ودوح كبير جاف يسميه الحجاج (نخل أبو جهل)، له ثمر مستطيل في حجم البطاطا، عسلي اللون، لكنه صلب كالحجارة، عَرَف الحاج الصغير – فيما بعد – أنه شجر الدوم، جمع منه الحجاج ما استطاعوا هدايا للأطفال.

المحطة التالية بعد رابغ توقفوا في كظيمة (القظيمة)، وهي كذلك بلدة ساحلية، وأكلوا فيها السمك، قبل أن يغادروها إلى جدة.

مباني جدة

في جدة عادت لمقلتيه صور القطيف ومباني قلعتها الشامخة، لكن المباني هنا أروع، وأكثر علوًّا وأناقة، تتألَّق بكثرة شرفاتها الخشبية ذات النقوش والزجاج الملون الذي لم يره إلا في المنامة وبعض بيوت القلعة، كبيت الشيخة (بيبي) بنت قائم مقام القطيف أحمد بن مهدي بن نصر الله، حامل الوسام المجيدي في السلطنة العثمانية (2)، وبيت الوجيه عبد الله بن علي إخوان، الذي كان أبوه رئيسًا لبلدية القطيف أواخر العهد التركي، والذي – مع ذلك -يقال إنه هو من كتب للملك عبد العزيز يستحثه على احتلال القطيف(3).

لا يتذكر الحاج الصغير كم كانت مدة إقامة القافلة في جدة، لكنه يذكر أن المدة التي استغرقها السفر من المدينة المنورة إلى جدة كانت ثلاثة أيام بلياليها، والإقامة في جدة قرابة اليومين، ذهب خلالهما (الحملة دار) إلى مكة لاستئجار المساكن..

ضياع في مكة

غادرت القافلة الصغيرة جدة عند (برَاد) الشمس عصرًا، وبلغت مكة فبيل الأصيل، وما أن أنزلت الأحمال في أحد بيوت حارة (سوق الليل) حتى بادر الحاج للذهاب إلى بيت الله الحرام، لأداء المناسك الطواف والسعي، وحل الإحرام.

أمسك الحاج الصغير بيد أمه وطفقا يهرعان خلف جمع من الحجاج يتقدمهم أبوه، لمعرفة بالطريق اكتسبها من حجته السابقة على الجمال قبل تسع سنين. كان الرجال يسرعون في مشيهم، فلم يقدرا على اللحاق بهم، وفجأة تلاشى الحجاج في منعطفات الطريق وتعرجاته، فلم يكن لهما بدٌّ من التزام السير في الاتجاه الذي كان الحجاج سائرين فيه، وما هي إلا دقائق قليلة لا تزيد على العشرين إلا وهم أمام ممر مسقوف طويل أعاد سقفه (الجملون) إلى ذاكرة الصبي الصغير صورةَ سوق السكة (القيصرية) في القطيف.

كان الممر مزدحمًا بأمواج هائلة من الأجسام البشرية المتدافعة، يضرب بعضها بعضًا، فقد المسعى ذا مسار واحد للاتجاهين؛ الذهاب والإياب، ولم يكن – بعدُ – قد نظِّم في مسارين مختلفين، كما هو الآن.

عرفت الأم، فورًا، أنها في المسعى، في نقطة ما بين الصفا والمروة، وهي تعلم أن به بابًا لا بدَّ أن يمرَّ منه الحجاج، قالت لصغيرها: “تعال، نگعد اهنيه، هذا باب السلام، أبوك لا يشوفنا”، ثم شرعت في صعود عتبات الدرج، واتخذت مجلسها مستندة إلى أحد الأعمدة الضخمة، وإلى جانبها الحاج الصغير، ولم يطل بهما الانتظار، فسرعان ما لمحا الوالد وهو في ذروة القلق والانزعاج.

طواف يومي

مرَّت بضعةُ أيامٍ عادية، والنشاط اليومي فيها متكرر بين زيارة الحرم الشريف، والعراك على تسلم الحجر الأسود، والاستمتاع بنداءات المطوفين، يحلمون في محفَّاتهم العجزة والعجائز من الحجاج، يبعدون الناس عن طريقهم: “أوعى يا حاج، مويه حارة”، ثم التجوُّل مع الوالدة عصرًا في سوق سويقة لشراء الهدايا للأهل والصديقات، وغالبًا ما كان يفلت منها بحثًا عن الحلوى المبردة اللذيذة، ذات اللون البنفسجي الأخاذ، والسمبوسك الحجازية، لكن حادثة، أو لنقل مغامرة خطيرة لا تنسى، حملته عليها شقاوة الصغار، في أحد الأيام، أثناء طوافه بالكعبة الشريفة، سار بجانبه عملاق أفريقي، فسولت له طفولته أن يفلصه فلوصًا (يقرصه قرصة) لم يشعر بعدها إلا وهو معلق في الفضاء، مُشرِفًا من علٍ على رؤوس الحجاج، ولو لا أن ذلك المارد الأسود تذكر – على ما يبدو – أنه في البيت الحرام الذي جعله الله  ﭽ ﯠ  ﯡ     ﯢﭼ البقرة: ١٢٥ لزجَّ به نحو النجوم، فكان أوَّل قمرٍ صناعي تفتخر مكة المكرمة بإطلاقه منها، قبل (سبوتنك 1).

السيد محمد العوامي.. والد الكاتب

——–

(1) أثيرت في الآونة الأخيرة شبهات حول تسمية الموضع بأبيار علي، زعمًا بأن من حفر هذه الآبار هو علي بن دينار سلطان دار فور، ونسبتها إليها، ودحض هذه الشبهة لا يحتاج إلى كبير عناء، فعلي بن دينار ولد عام 1856م، 1272هـ (الموسوعة الحرة)، وجاء إلى الموضع عام 1898م، 1316هـ، أما البئر فمعروف قبل أن يخلق ابن دينار بقرون، فقد ذكره ابن تيمية المتوفى سنة 728هـ بهذا النص: “فذو الحليفة: هي أبعد المواقيت . . . فإن منها إلى مكة عدة طرق، وتسمي وادي العَقِيق، ومسجدها يسمي مسجد الشجرة، وفيها بئر، تسميها جهال العامة: (بئر علي)؛ لظنهم أن عليًّا قاتل الجن بها، وهو كذب، فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة، وعليٌّ أرفع قدرًا من أن يثبت الجن لقتاله”.

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد، مجمه الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1425هـ، 2004م، مجـ26/99، ومثل ابن تيمية الحافظ ابن حجر(المتوفى 852هـ) في فتح الباري , والحطاب من المالكية (المتوفى سنة 945هـ) في شرحه لمختصر خليل , والنفراوي (المتوفى سنة 1125هـ) في الفواكه الدواني , والصنعاني (المتوفى سنة 1182هـ) , والشوكاني (المتوفى سنة 1250هـ)، ومحمد كبريت الحسيني، (1-12 – 107هـ) في (الجوواهر الثمينة في محاسن المدينة)، وذكر المكان بالاسم نفسه النقيب البريطاني جون فورستر سادلير قبل علي دينار بما يقرب من 92 عامًا، انطر أيضًا: (يوميات رحلة عبر الجزيرة العربية)، ترجمة عدنان السيد محمد العوامي، مراجعة مجيد سعيد الجامد، نشر مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 1437هـ 2016م، ص: 127 – ، 128وهذا غيض من فيض.

(2) مداخل بعض أعلام الجزيرة العربية في الأرشيف العثماني، د. سهيل صابان، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، الرياض، 1425هـ، 2004م، ص: 19.

(3) الشيعة في المملكة العربية السعودية، حمزة الحسن، مؤسسة البقيع لإحياء التراث، بيروت، الطبعة الأولى، 1413هـ، 1993م، جـ2/14.

 

اقرأ الحلقات السابقة

ذاكرة الشاعر العوامي تستعيد ما حدث في حج سنة 1366

عادات منقرضة: تمثال خاص بالحاج يبقى في البيت حتى عودته من الحج

من القطيف إلى الرياض 4 أيام.. و 6 أخرى إلى المدينة

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com