[إعادة] في مثل هذا اليوم قبل 82 سنة.. قافلة جِمال تنطلق من القطيف إلى الحج تشاركت مع حجّاج من الأحساء وقطعوا المسافة في 37 يوماً

أرجوزة الشيخ العمران وثّقت تفاصيل رحلة استغرقت 4 أشهر

تُعيد “صُبرة” نشر تقريرها الخاص الذي نشرته في مثل هذا اليوم من العام الماضي 1439، مستذكرة واحدة من أهمّ رحلات الحجّ التي وثّقها الشيخ فرج العمران، رحمه الله.

خاص: صُبرة

في مثل هذا اليوم، من عام 1358هـ، الموافق 12 ديسمبر 1939م، وبعد مئة ويومين على اندلاع الحرب العالمية الثانية؛ بدأت قافلة حجاج من القطيف رحلتها إلى المشاعر المقدسة.

كانت قافلة جمال، انطلقت من غرب الجارودية، تحديداً من الموضع المعروف بـ “البدراني”، قريباً من عين “الخنيسفانية” التي لم يزل بعض أثرها باقياً إلى اليوم. والتقت القافلة بقافلة أخرى من الأحساء، ليتشارك الجميع الرحلة وصولاً إلى مكة المكرمة.

استغرق السفر 37 يوماً، إذ قطع الحجاج الصحراء السعودية، من حافة القطيف إلى جبل النور، حيث وصلت القافلة في الـ 7 من شهر ذي الحجة، وقضى الحجاج مناسكهم. ثم توجهوا إلى المدينة المنورة، وأقاموا فيها، ثم قفلوا راجعين إلى القطيف، ليستغرق ذلك كله قرابة 4 أشهر.

ومن طريف تلك الرحلة أن الجزء الأخير من طريق عودتها استُخدمت فيه السيارات، بأمر من الملك عبدالعزيز الذين طلب الحجاج مساعدته في الرياض.

الشيخ فرج العمران دوّن تفاصيل كثيرة فكان عمله وثائقياً مهماً مع تقادمه

تدوين الشيخ العمران

كان يمكن لقصة الرحلة أن تُدفن في النسيان، أو تتناثر وتتشوّه في القصص الشفاهية، لكنها حظيت برفقة مدوّنٍ دقيقٍ، هو الشيخ فرج العمران (1321 ـ 1398هـ) الذي سجّل كلّ ما أمكنه تسجيله من تفاصيل الرحلة الشاقة، بواسطة “أرجوزةٍ” طويلة، رصدت محطات الرحلة، وأهوالها، وطرائفها، بدقّة وصّافٍ وظّف مرونة بحر “الرجز” للتوثيق والتدوين، ليقدّم وثيقة تاريخية جديرةً بالدرس عن طريق الحج الذي انتهجه حجاج شرقيّ الجزيرة العربية لمئات السنين.

وقد جمع الشيخ العمران أرجوزته في كتاب ضمّ أرجوزتين أخريين عنوانه ” في “ثمرات الإرشاد” ونشره في النجف سنة 1373هـ (1953)، أي بعد 5 سنوات من الرحلة، وقدّم له علي الخاقاني، صاحب مجلة “البيان”.

 مضى على الرحلة 81 سنة، وتوفي جميع المشاركين فيها، باستثناء واحدٍ منهم، سوف تنشر “صُبرة” غداً تقريراً مستقلاً عنه.

ما تبقى من عين الخنيفسانية في البدراني غرب الجارودية

من البدراني

مضيتُ ماشياً إلى البذراني

فإنّهُ مُنَوَّخُ الرُّكبانِ

الموضع المُسمّى بـ “البدراني” كان متّسعاً وممتدّاً من بستان في قرية الجش إلى عمق ملموس غرب صحراء الجش وصولاً إلى صحراء جنوب الأوجام. وأهمية المكان التاريخية؛ كانت في كونه محطّاً تنطلق منه القوافل، وتستريح في ظلال نخيله، وتتزوّد من مائه. وكما وصف الشيخ نفسه؛ فقد كان البدراني موضعاً “على ساحل البر، فيه مورد ماء عذبٍ قوي الدفع والجريان، نقي جداً، يأتي من عين في البر تُسمّى الخنيسفانية”.

وموقعه في أقصى غرب القطيف؛ جعل منه محط القوافل المسافرة إلى “الأحساء ونواحي نجد”. وذلك يعني أن حجّاج القطيف كانوا ينطلقون منه أيضاً. وحين دوّن الشيخ العمران رحلة حجّه الأول، شوال 1358 (ديسمبر 1939)؛ ذكر “البذراني/ البدراني” بصفته “مُنَوَّخ الركبان”. وقد سار الشيخ إليه ماشياً من القطيف، ليستقلّ راحلةً ضمن حملة حجّ لـ “حملدار” من قرية المدارس اسمه السيد شبر بن السيد محفوظ الخباز..!

إلى عرق جهام

الرحلة بدأت في يوم الثلاثاء الموافق 30 شوال، 12 ديسمبر 1939م. واحتاجت إلى 9 أيام لتصل عمق الدهناء، وتستريح عند “عرق جهام”، وأخذت استراحات كثيرة، واستبدل الحجاج جمالهم 4 مرّات، بين محط ومحطٍّ آخر. كانوا ينامون جزءاً من الليل، ويسيرون في النهار. وحسب ما دوّنه الشيخ العمران؛ لم يكونوا يتناولون أكثر من وجبة واحدة في اليوم، وجبة العشاء.

وقد ذكر أنهم تناولوا “المموّش”، وهو الرز بالماش، كما تناولوا “صالونة اللحم” مع الرز، و “الربيان” المجفف مع الرز. وكان الشاي والقهوة حاضرين في استراحاتهم.

نقص الماء

قلق الماء كان حاضراً في ثنايا الرحلة، هناك مواضعُ شحيحة الماء، وبعضها ماؤها موحل،

حتى وصلنا العصرَ للدهناءِ

مفازةً ليس بها من ماءِ

واسم محطّ رحلنا والمستقر

عرقُ جهازٍ عندهم قد اشتهرْ

قد عزّ ماؤنا هنالكم وقَلْ

سوى قليل ذي بياضٍ كالوحَلْ

وفي موضع آخر اسمه “العِمْر”:

ساروا إلى أن جاء وقت العصرِ

حطوا بمنزلٍ دُعِي بـ “العِمرِ”

هنالكم قد نفد الماء ولم

يبق لنا سوى قليل كالعدم

حتى العشا عن قدر كل ليلة

لقلة الماْ نقَّصوه كيلهْ

ولصلاة الصبح لما نهضُوا

تحصَّبوا تيمّموا عن الوَضُوْ

ولم يفُرْ هناك چايٌ لا ولا

قُهيوةٌ وهي الحياةُ للملا

ولكن الحال تبدّل في موضع آخر سخيٍّ بالماء:

فصُنعت لنا هناك القهوة

صُبّت فصار المنتدى في زَهوَهْ

مصاعب المطر

من حسن الحظ أن الرحلة شتائية. بدأت في 12 ديسمبر. لكن برودة الجو لا تعني أن المشاق هينة. نقص الماء أضرّ بالحجاج، وقرّبهم من الهلاك. لكنّ كثرته أزعجتهم أيضاً، وأضافت متاعبَ فوق متاعبهم.. خاصة الماء الآتي من السماء:

في موضوع اسمه “ضبع العرمة”:

وهذه الليلة زادنا المطر

مشقةً على مشقّة السفر

وبينما الركبُ يسير إذ قطَرْ

عليهمُ وانهلّ وابلُ المطرْ

فوقفت تلك الركابُ ساعه

ولم تسر تنتظر انقطاعه

سارت وقلّ الغيثُ لكن ما انقطع

ونحن في خوف عظيم أن تقعْ

ثم تضاعفت الصعوبات:

حتى أتى السيرُ بنا في عقبة

كؤودَ ما أدراكمُ ما العقبَهْ

سارت بنا والقلب منا يضطرب

وأوشكت تلك النياقُ تنقلب

أقسمُ إني لم أجد في عُمُري

ولكن الخطر زال أخيراً:

فنوّخ الركبُ بوادي الخفسِ

كلٌّ يُهنّاْ بحياة النفسِ

في مكة

مرّ شهرٌ كاملٌ من المشاقّ والمتاعب وعقَبات الجبال والتلال، والراحة والترحال، واستبدال الجمال.. تفاصيل تتلو تفاصيل في تلك الأرجوزة الطويلة.. إلى أن ظهر هلال ذي الحجة للمسافرين في موضع يسمّى “حرّة المرّان”، لكنهم لم يصلوا إلى حدود مكة المكرمة إلا بعد ذلك بـ 7 أيام.

ما زال في الهبوط والصعودِ

ذا الركبُ حتى حطّ في بُرودِ

هناك بئرٌ ماؤها عذبٌ حسَنْ

يُقال مُنشيها إمامنا الحسن

وقبل وقت العصر يوم الأربعاء

سابع ذي الحجة ساروا أجمعا

ساروا ولما جبل النور بدا

حطّوا وصلّوا وبنا الحادي حدا

ساروا ولمّا نوّخوا بالأبطحِ

قمنا إلى البيت ولم نسترِحِ

طفنا بحمد الله حول الكعبه

والكل يدعو ذا الجلال ربّه

على هذه الطريقة دوّن الشيخ العمران الرحلة كلها، نظماً نمطياً عاديّاً من الناحية الفنية. إلا أن محتواه ما زال ثميناً جداً، وتزداد أهميته كلما تقادم. الرحلة التي يمكن قطعها اليوم برّاً في 12 ساعة، وجوّاً في ساعتين، كانت تُقطع في 37 يوماً، على امتداد قرون. وتدوين الشيخ العمران، في الأرجوزة، هو الوثيقة الوحيدة التي سجّلت طريق الحج انطلاقاً من القطيف، وعودةً إليها، في زمن ما قبل وسائل النقل الحديثة.

ثمرات الإرشاد

كتاب في ثلاث منظومات من الرجز، جمع فيه الشيخ فرج العمران ما نظمه من رحلاته في الحج، ودوّنه على سبيل التسجيل، أو التعليم الفقهي. سماه “ثمرات الإرشاد”، وصفاً لما استفاد منه من رحلاته مرشداً للحجاج. وحسب تبويب المؤلف؛ فإن الكتاب يتكون من ثلاث ثمرات:

  • الثمرة الأولى: رحلة الحجاز: في نُبذٍ من حجة الشيخ الأولى سنة 1358، وهي المنظومة التي تناولها هذا التقرير.
  • الثمرة الثانية: أحسن المنهاج في أحكام الحجاج: منظومة نظمها في أوائل حجته الثالثة سنة 1361هـ. وتتناول أحكاماً ومسائلَ في الحج.
  • الثمرة الثالثة: جمع فيها صيغ النيّات المتعلقة بالحج، وهي نثر.

طُبع الكتاب مرة واحدة في النجف سنة 1373هـ، 1953، وقدّم له العراقي علي الخاقاني. وقد أعدّ الباحث حسين منصور الشيخ نسخة إلكترونية PDF، وهي متاحة في الوصلة التالية:

 

اقرأ أيضاً

قافلة الشيخ العمران مرّت بـ 31 محطّاً من “البدراني” إلى جبل النور

‫3 تعليقات

  1. ‏جدي لوالدتي الحاج محمد بن عبدالله بن محمد بن سلمان الفرج رحمه الله،حج الى ⁧‫#بيت_الله_الحرام‬⁩ واستخدم خمس وسائل نقل مختلفة:
    ‏-السفينة قبل عام 1358هـ
    ‏-الجِمال عام 1358هـ
    ‏-الشاحنات الشامية المكشوفة
    ‏-الباصات
    ‏-والطائرة قبل وفاته عام 1400هـ
    ‏اختيار موفق لصحيفة ⁧‫#صبرة‬⁩

  2. بوركت جهودكم.. كل يوم تتحفنا صبرة بمواضيع رائعة تستحضر تاريخنا وتاريخ اجدادنا في كثير من النواحي.. واجمل ما في هذا الجهد الذي تبذلونه هو التدقيق في نقل المعلومة معتمدة اما على وثائق مكتوبة او مشافهة من عاصروها لتستحضروها لنا منقحة خالية من المبالغة او النقصان وتنقلوها كما كانت.. عوفيتم والى المزيد من تقدم هذه الصحيفة الواعدة

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com