3 حالات أسطورية لتعامل سكان تاروت مع الأسماك حضور في الخطوبة وقبل الزفاف.. وبعد الموت

تأثيرات غامضة لحضارات قدّست الأسماك ورفعتها إلى مستوى الآلهة

تاروت: جعفر البحراني

ظل أهالي جزيرة تاروت ولا زالوا مكانا للتندر والسخرية لقيامهم بتوزيع السمك الطازج على الأهل والجيران والأقرباء كإعلان للخطوبة. فعند تقدم أحدهم بالتقدم لطلب يد فتاة ويتم الرد عليه بالايجاب يسأل عائلة الفتاة عن كمية ونوع السمك الذي يرغبون في توزيعه على الأهل والجيران كإعلان للخطوبة.

ورغم أن هذه العادة أخذت في الاضمحلال منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن المنصرم، إلا أن البعض لا يزال متمسكا بها في تاروت التي ظلت طوال سبعة آلاف عام مأهولة بالسكان.

وتتميز الجزيرة بمقومات الاستقرار والتوطن نتيجة توفر المياه وخصوبة التربة، إضافة لموقعها الاستراتيجي ووقوعها على خط التجارة المائية في الخليج، ووجود المرافئ والمراسي الطبيعية، التي ساهمت في نشاطات متنوعة في الجزيرة بين التجارة والزراعة وصيد الأسماك، وهذا ما جعلها منطقة هجرة متبادلة لمختلف المناطق المحيطة بها من البصرة شمالا حتى عمان جنوبا ومن نجد غربا حتى لنجه والأهواز والمحمرة وضواحيها شرقا.

أسر وأماكن

ولا تزال في جزيرة تاروت عوائل تتسمى بأسماء الأماكن التي نزحت منها كالبصري والصفوان والكويتي والبحراني وأوال والدرازي والسماهيجي والحساوي والقطري ومشيرب والعماني، وغيرها من أسماء، طمستها المهن التي صعدت فوق اسم القبيلة واسم المكان، ولهذا نجد أسماء عائلات الخباز والقلاف والمهندر والحداد والمحسن والصفار والكواي والدهان والصيرفي والمعلم، منتشرة في الجزيرة شأنها في ذلك شأن المدن المتحضرة في العالم.

وقد شهدت تاروت تأثيرات خارجية كثيرة على مر العصور على مستوى الدين والفكر والثقافة بسبب الارتباط التجاري بين منطقة الخليج العربي وبلاد الشام خلال فترة الهكسوس، ولم تكن بمنأى عن مختلف التأثيرات الحضارية منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا.

ولعل رمزية السمك فيها سواء في إعلانه للزواج بشكله الطازج الطري أو في غيره من المظاهر الاجتماعية جاء نتيجة تأثر تاروت بالحضارات القديمة التي مرت عليها أو عاصرتها، فمن المعلوم أن للسمكة في الحضارات القديمة شأناً كبيراً ورمزية خاصة، ولا شك أن أهالي جزيرة تاروت تأثروا بالحضارات المجاورة لهم في أرض الرافدين وفارس وبلاد السند وجنوب الجزيرة العربية، ولا شك أن غالبية تلك الحضارات كان للسمكة فيها مكانتها الرمزية المتميزة.

وإذا كان السمك الطازج يقدم في جزيرة تاروت كإعلان للخطوبة فإنه يقدم أيضا للضيوف بشكل مخصوص في الليلة التي تسبق الزفاف، سواء مشويا أو مقليا مع الرز الأبيض المشخول أو مع الرز المطبوخ بعسل النخل المعروف محليا بالبرنجوش أو المحمر.

طري ومجفف

وقد تعتاد الناس في الجزيرة أكل السمك طريا سواء بالشواء أو بالقلي أو حتى بالسلق سواء بصلصة الطماطم المعروف بـ(الصالونة) أو بسلق السمك مع البصل والليمون المجفف وشيء من قشر الرمان الجاف المطحون المعروف بـ “الكرورو”.

وتعد عادة أكل السمك والربيان بعد تجفيفه بالملح من العادات المتوارثة، حيث يتم أكلها خشنا أو بعد نقعه في الماء أو سلقه مع البصل وأكله برفقة الحشائش الخضراء كالفجل والقثتاء، وهي طريق متداولة في بعض دول الخليج.

وتعتبر عادة تجفيف السمك من العادات القديمة، وكانت شائعة بشكل واسع عند السومريين الذين كان لهم تأثير كبير على مختلف الحواضر في المنطقة.

 وإذا كان الناس يوزعون السمك الطازج كإعلان للخطوبة، فإنهم لا يزالوا يوزعون السمك المجفف في ذكرى وفاة مريم بنت عمران (ع).

ومن هنا يتأكد لنا أن للسمك رمزية غير محدودة في جزيرة تاروت، خصوصا فيما يتعلق ببناء بيت الزوجية قبل عقد القران، وقبل ليلة الزفاف، وفيما يتعلق بذكرى الموتى في وفاة مريم (ع).

4 سمكات

وقد وجد المنقبون الأثريون في جزيرة دارين -تعد المرفأ الرئيسي لتاروت- أثناء التنقيب في بيت العواد عام 2010م أربع قطع أثرية تمثل جرة من الفخار مرسوم عليها أربع سمكات، وقد أرجع الباحثون تلك الجرة للقرن السابع الميلادي مرجحين أنها تعود للفترة الإسلامية المبكرة.

فإذا علمنا بأن لا رمزية للسمك عند المسلمين، مقابل رمزيته في الديانات القديمة التي جعلت للسمك رمزية خاصة، فهذا يقودنا للبحث في رمزية السمكات الأربع على الإناء الخزفي، كما يقودنا للبحث أكثر في الآنية الأخرى التي وجدت في جزيرة تاروت ودراستها بشكل أوسع.

خصوصا أن جزيرة ـ وبشكل ـ واضح قد تأثرت بالعديد من الحضارات والديانات التي مرت عليها أو جاورتها، وكانت السمكة تمثل رمزا هاما من رموزها.

فنحن نجد أن السمكة عند الشعوب السامية كانت رمزا للخصب والحكمة والحياة والسعادة، وعند الشعوب الهندية كانت تمثل المخلص لآدم (ع)، بينما اعتبرها الفرس من الآلهة وأعتبرها الآشوريون آلهة تخلص الناس من الشر.

وفي الديانة اليهودية ترمز للقيامة والماء الحي، وقد ارتبطت بلقاء النبي موسى بالخضر (ع) في القرآن الذي ذكر السمكة الحوت في خبر النبي يونس (ع) كذلك.

وفي المسيحية نجد أن السمكة رمزت للمسيح (ع)، وإلى المؤمن المسيحي وإلى المتنصرين والمعمدين الجدد، وتعد إلى جانب الخبز من أهم المعجزات للسيد المسيح (ع) عند النصارى.

وفي الأدبيات العراقية القديمة ذكر السمك في نصوص تتحدث عن الحكماء السبعة وهي الكائنات الأسطورية المركبة من الإنسان والسمكة، التي خرجت لتعليم البشر المعرفة، ورمز كذلك لكائن أسطوري مركب من السمكة والجدي في الحضارة البابلية للإله (أيا/أنكي) المسئول عن حماية البشر من الطوفان.

وتظهر السمكة في الأدبيات العراقية ضمن التعاويذ والرقي، وتدخل ضمن الإكسسوارات الخاصة بتراتيل طرد الأرواح الشريرة، وأتخذها السومريون قربانا لإحياء ذكرى الموتى، ولعل هذا يتطابق إلى حد كبير مع ما يقوم به أهالي تاروت في ذكرى وفاة مريم (ع) عندما يوزعون السمك المجفف إلى جانب الخبز والبلح والهندباء.

من هذا نجد أن للسمك رمزية في ثلاث حالات:

  • الحالة الأولى: يقدم طازجا وطريا لينبأ عن تمخض علاقة زوجية جديدة.
  • الحالة الثانية: ترتبط بالحالة الأولى عندما يقدم للضيوف مشويا أو مقليا مع الرز الأبيض المشخول أو الرز المطبوخ بعسل التمر، ليؤكد مشروعية العلاقة بين الذكر والأنثى.
  • الحالة الثالثة: تقديمه مجففا في طقس جنائزي احتفاء بوفاة مريم (ع).

 

 

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com