[تعقيب 3] وزير شيعي في حكومة بني خالد.. وواقعة “الشّربة” لم تكن حرباً مذهبية سائح شامي قبل 321 سنة: السنة والشيعة متحدون اتحاد الأهل

في الحلقة الثالثة من تعقيبه على موضوع “سوق الخميس”؛ يُضيف الشاعر الباحث عدنان السيد محمد العوامي إضاءة تاريخية جديدة إلى إضاءاته السابقة.

إضافة تنفض الغبار عن حقائق مشرّفة لعلاقة سكان القطيف من الطائفة الشيعية بشركائهم من أبناء الطائفة السنية.

وفي هذه الحلقة تركيز بحثيّ على العلاقة مع قبيلة بني خالد تحديداً، والصفحات البيضاء التي سطّرها أبناء الوطن الواحد والأرض الواحدة معاً في جوارٍ وشراكة استمرّت قروناً طويلة، بشهادة من عاشوا في مراحل تاريخية سابقة.

إنها الصفحات البيضاء الغالبة، وهي ما علينا أن نراه، استناداً إلى فهم أن ما شاب هذا البياض العريض؛ لا يؤثّر في حالة النقاء.

عاش أسلافنا معاً، شيعة وسنة، ونعيش الآن معاً شيعة وسنة، وسوف نعيش معاً شيعة وسنة، في وطنٍ واحد، وأرضٍ واحدة.

ندعو القاريء الكريم إلى الحرص على قراءة أكثر من 3000 كلمة حرص الباحث العوامي على تقديمها للأمانة والتاريخ، في هذا البحث القيم:

[3]

سوق الخميس.. سوق البضائع ومعترك المعامع

عدنان السيد محمد العوامي

الحالة المذهبية في المنطقة- متابعة للوثائق

في الحلقة الثانية السابقة من هذا التعقيب على تقرير صحيفة صبرة الإلكترونية عن سوق الخميس، وعدت بأن أثبت أنَّ واقعة الشربة لم تكن حربًا مذهبية، وإنما هي حادث عارض ينبغي أن يُفحص ظرفُه وملابساته؛ لكي يعرف مَن وراءه، وما وراءه، وعند الشروع في البحث عن الدليل، رأيت من الضروري تكثيف الإضاءة على العَلاقة بين أهل القطيف وقبيلة بني خالد، بحسبانها القبيلة الأبرز في واقعة الشربة، وفي المنطقة.

ظهور القبيلة

يلفُّ ظهور بني خالد في شرق الجزيرة العربية حجاب كثيف من الغموض، لم أقف على بدايته بصورة قطعية، وبعضهم يرجعه إلى شيخ اسمه حُمَيد،  صهرٍ لمقرن بن زامل الجبري، آخر من حكم المنطقة من الجبريين مرجِّحًا أن اسمه الصحيح ابن حميد، وآل حميد هم الفرع الذي حكم المنطقة من بني خالد في ما بعد([1])؛ ولأن الغرض من المقالة هو بيان العلاقة بين بني خالد وأهل القطيف، وليس التأريخ لقبيلة بني خالد، ولم يخالجني أدنى شك في أن العلاقة بين أهالي القطيف وبني خالد حميمة منذ بداية ظهورهم في المنطقة، ولن يزيدنا البحث – مهما طال وعرُضَ – على هذه الحقيقة، أكتفي بهذا مدخلاً لما وعدت به.

بين طائفتين

في الربع الأول من عام 1121هـ، وتحديدًا يوم الأحد، التاسع من ربيع الآخر منه؛ زار الأحساء سائح شامي قادمًا من المدينة المنورة، بعد أن أدَّى مناسكَ الحج والزيارة، اسمه مرتضى بن علون، وهو من السادة المنتسبين للعترة النبوية، فسجَّل لنا حال العلاقة بين الطائفتين، آنذاك، قال: (وأما ما كان من وصف هذه الحسا فمواشيهم جميعًا الإبل والبقر والحمير مع أهاليها. أكلهم التمر، غير أن البقر يُحِلُّون لهم التمر بالماء ويسقوهم إياه، والنوا يغلون عليه الماء حتى يلين، ويجعلوه لهم علفًا([2])، وأما الباذنجان فخِلقة لطيفة، شريفة، كبير، يباع بالعدد، وأما القثَّاء فطويل سبط معوج، يزيد طول كل واحدة عن الذراع، وخيراتها كثيرة لأهلها. أصلح الله حالهم.

ويذكرون أن نصف أهلها شيعة، ونصفها سنة، ومتَّحدين اتحادَ الأهل من غير عناد، وكذلك قراها، وكافلها وواليها وحاميها يقال له سعدون، من عرب خالد، ووزيره شيعي يقال له ناصر، وأنه من أولاد مروان ابن الحكم، كما أخْبِرْنا، واجتمعنا ببعض أهل البلد من الفريقين، وكل منهما راض عن الآخر)([3]).

سعدون

فمن هو  ذلك الحاكم الذي (يقال له سعدون)؟ومن هو وزيره الشيعي الذي (يقال له ناصر؟) تقول المصادر: إن سعدون هو ابن محمد بن غرير، تولَّى مشيخة بني خالد من سنة (1103- 1135هـ 1692 – 1723م) بعد وفاة والده، وقد وصلت المشيخة في عهده ذروة الرفاهية والاستقرار([4]).

وأما وزيره الشيعي الذي (يقال له ناصر) فقد بقي مدثَّرًا ببردة النسيان، وكاد يظلّ – هكذا – مختبئًا مدى الدهر، كما غيره ممن سفَت عليهم أتربة النسيان، لو لا قصائدُ قيلت في مدحه حفظها لنا الزمن، وقيَّض لها من يحققها، ويتم التحقيق بفيض من دراسة الوثائق، حتى تمكن من كشف نقابه، وحدد هويته المذهبية وموطنه، وحتى بيته الذي يقطن فيه، فيطلع علينا ببحث نفيس أعلمنا فيه أن اسمه الكامل الشيخ ناصر بن بهاء الدين الخطي القطيفي، من  سكنة القلعة، حاضرة القطيف، فهذا هو الذي عناه ابن علون، كان وزير دولة آل حميد في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري، أما الشاعر ناظم القصائد في مدحه، وصاحب الفضل في حفظه فهو الشاعر البحراني الأوالي الشيخ أحمد بن محمد الإصبعي (من بلدة إصبع في البحرين “أوال”)([5])، وكاشف سره هو الشيخ عبد الزهراء العويناتي.

الحكم الوطني المحلي

نعود الآن للوثائق المنشورة ضمن تقرير صحيفة صبرة الإلكترونية في يوم 14يناير الحالي 2021م، بعنوان: (قبائل سنية حمت أملاك شيعة القطيف من اضطهاد الأتراك)([6])، فأنتم تتذكرون أن واحدة من تلك الوثائق الثلاث، تضمنت إقرار أحد أعيان بني خالد وهو فهد أو فهيد الخالدي، وفي الوثيقة أن سعود بن عبد العزيز أقرَّ ما أمضاه عبد المحسن السرداح بإرجاع الأملاك التي اغتصبها الأتراك من آل أبي السعود عليهم. فمن هو عبد المحسن السرداح؟ هو: عبد المحسن بن سرداح بن عبيد الله بن براك بن غرير([7])، يعني أنه منحدر من الفرع نفسه الذي ينتمي إليه سعدون، ويلتقي معه في غرير([8])، وغنيٌّ عن البيان أن سعودًا الذي أقر ما أمضاه السرداح بكل أريحية هو سعود بن عبد العزيز آل سعود, تلك هي صور الحكم الوطني المحلي.

تمضي بنا المدوَّنات على خطى الوثائق فتخبرنا بأنه: (لما تولى عبد العزيز على جميع بلاد بني خالد حضرًا وبدوًا أرسل عسكرًا إلى القطيف، وهي من أقوى ممالك بني خالد، وفيها – حينئذ- عبد الله بن سليمان المشهوري الخالدي، وفيها أيضًا كبيرٌ على الرعايا أحمد بن غانم القطيفي، فسار إبراهيم بن عفيصان مع ذلك العسكر أميرًا عليه، وكان عدده  ثمانية آلاف، فنزل سيهات، قرية جنوبية عند القطيف، وهي من توابعها، بينها وبين  القطيف ثلاثة فراسخ…([9])، ثم استقل الأمر لآل سعود في أرض القطيف، وكتب إبراهيم بن عفيصان إلى عبد العزيز بالفتح، فبعث إليه عبد العزيز، بأن اقْبِل إليَّ في الدرعية، وولِّ في القطيف -على جملة الرعايا – أحمد بن غانم، وعلى القلاع والعسكر زيد بن نبهان التميمي، ففعل كما أمره به، وسار إلى الدرعية)([10]). كذا على جملة الرعايا، وليس الشيعة وحدهم، وابن غانم قطيفي، شيعي.

وزراء للحاكم السني

استمر الحكم في القطيف على هذه الوتيرة، يتولاَّه آل غانم الشيعة وزراء للحاكم السني حتى نهاية الدولة السعودية الأولى على يد إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا في 9 ذي القعدة، سنة 1233هـ، 9 سبتمبر 1818م([11]), فعادت القطيف إلى قبضة الأتراك.

وبالرغم مما قيل من أن إبراهيم باشا أوكل إدارة شؤون منطقة الساحل الشرقي – القطيف والأحساء – إلى شيوخ بني خالد؛ فإنني أراه واحدة من دعاوى العثمانيين الباطلة والقرينة على ذلك شاهد أجنبي زار المنطقة قاصدًا الاجتماع بالباشا عقيب احتلاله الدرعية هو الضابط البريطاني جورج فورستر سادلير، فهذا كان قد ألقى مراسي سفينته بمرفأ سيهات بالقطيف صباح الحادي والعشرين من شهر يونيو 1819م، وفي ميناء القطيف عصر اليوم نفسه، فيحسن أن نخلي المنصة له كي يدلي بشهادته:

شهادة سادلير

(بالنسبة لاستفساراتنا في ما يتصل بمرفأ العقير أجاب الشيخ رحمة([12]) بأنه يستحيل الوصول إليه بسفينة ضخمة، وأن سفينة صغيرة يمكن أن تبقى بعيدًا على مسافة كبيرة، لكنه لن يلتزم بالدوران حول البحرين إلا أثناء النهار لأن المجاز صعب وصخري.

جاء الشيخ خميس عند عودته بالمعلومات نفسها من القطيف. وخليل آغا Khaleel Agha ، الحاكم التركي نصح، بقوة، بمواصلة السير عن طريق القطيف، فقررت التخلي عن فكرة الوصول للعقير عبر الدوران حول الضفة الجنوبية للبحرين الذي قد يتطلب يومين. بناء على ذلك رسوت صبيحة الأحد الواحد والعشرين في بلدة سيهات Seyhat  الواقعة على الجانب الجنوبي للخليج. حوالى ثلاثة أميال أسفل القطيف. بعث خليل آغا يوسف آغا Yusof agha ، وهو جندي تركي ذكي مُعَيَّنٌ جابيَ مُكُوسٍ، وهو يليه في المترتبة كي يرافقني من السفينة، ويختار هذه البقعة لإقامتي،  إذ إن البلدة أو المدينة، كما قال، كانت غير صحية جدًّا بحيث أن إقامتي فيها ستكون خطيرة على حياتي ولو لليلة واحدة.

كانت المسافة من مكان الرُّسُوِّ إلى مكان النزول قرب البلدة بالتأكيد اثني عشر ميلاً، والمكان الذي نزلنا منه بالإضافة إلى طول هذا الساحل الرملي كله، كان ضحلاً جدًّا إلى حد أن الجمال والخيول كانت تستعمل لنقل الأشخاص من القوارب، وجميع الأمتعة، إلخ، تنقل على الحمير.

21 يونيو،- بعد ظهر اليوم الحادي والعشرين كنت مدفوعًا لأن أتوقع أنني سوف أحظى بشرف تلقي زيارة من خليل آغا، كما أن دويّا لبضع طلقات من المدفعية دفعني إلى الاعتقاد بأنه كان على وشك المغادرة من قلعة القطيف. وعند وصول أحد العرب حاملاً كتابًا من الآغا علمنا أن الطلقات قصد بها الردُّ على التحية التي أطلقت من الطراد “فيستال Vestal  The” في الصباح، وأن صحة الآغا لم تسمح بأدائه زيارةً هذا المساء، لكنه قال إنه سوف يكون سعيدًا بالقيام بها في الصباح التالي، وطلب أن يقدم له طبيب الطرَّاد “فيستالVestal  The” نصيحة طبية، وطبعًا قُدِّمت هذه النصيحة وأرسل قارب لنقله إلى الشاطئ.

22 يونيو، لم يظهر خليل آغا في صباح الثاني والعشرين، وبما أني كنت متعطِّشًا للسؤال عما يتصل بصحته، بعثت كاتبي zaMeery M لأداء زيارة له، وأثناء هذه الزيارة قام مشرف آل العريعر ‘Aureyur -aal- Mushrref ابن أخي محمد بن عريعر ‘Aureyur bin Mohammed     رئيس قبيلة بني خالد Khalid  Benee  بزيارة الآغا. اتسم هذا الاجتماع بدرجة ما من الحدة. قال العربي علنًا: إن التركي الذي عيَّنه هنا محمد آغا الكاشف Mohammed Agha Kashif  (الحاكم التركي في الأحساء) استأثر بالسلطة خلافًا لأوامر الباشا، كما أنه كتم الأوامر الصادرة إليه نفسه بوضع مشرف في السلطة. إلا أن  التركي أنكر التهمة، كما رفض الإذعان لمطالب مشرف، وأمرَه بأن يكتب إلى عمه، ويطلب جمالًا وخيولاً، إلخ، وحارسًا لمرافقتي إلى الأحساء. . . .) ([13]).

بعد ارتحال الباشا من الدرعية سادت المنقطة فترة اضطراب، وتنازع بين الأمراء ما لبثت الدولة السعودية – خلالها – أن أعيد بناؤها على يد الشيخ تركي بن عبد الله([14]). في هذه الفترة يعود آل غانم ولاة على القطيف من جديد، ومع عودتهم يظهر ما يسميه أهل القطيف: (عِزَّوْه)، وعِزَّوْه – في زعمهم – عظَمة في جسم الذبيحة، إذا دُفِنت في مكان فيه جماعة، فلا بدَّ أن تحدث فتنة بينهم. ولعمري ما أرى تلك العظمة إلا رمزًا يرمزون به لذي المنفعة المختبئ في الظلام، يحيك منه دسائسه، ويشعل الفتن في الوطن لمكسب يلهث وراءه، وعائد ينتفع منه. هذه العظمة تمثلت في هيئة عنصر جديد هم آل خليفة المستقرين في الدمام، ولهم حلفاء في القطيف بدوٌ وحضر، ولست أعرف من هو الذي دفن (عزوه) ليفتن بينهم، لكن المشهورَ قيامُ آل خليفة يناصرهم بنو عامر، وعلي بن عبد الرحيم بالاستيلاء على جزيرة تاروت تمهيدًا لانتزاع القطيف من عبد الله بن غانم المولى عليها من قبل آل سعود. في هذه الحقبة تضاربت الروايات، وباينت، وليس الغرض هنا البحث فيها، ولاسيما أنني أوضحت رأيي فيها في تقديمي لرواية (شيخة) تأليف المرحوم علي بن حسن أبو السعود([15]).

لست بهذا أدعي الطوباوية للحكم الوطني المحلي، مطلقًا، فالقوى الوطنية المحلية، سواء الأهالي أو السعوديون أو بنو خالد، لا تخلو العلاقة بينهم من منغصات بصورة أو بأخرى، وإنما فقط أن أبين للمنصف المحايد مدى الفارق بين فترات الاستقرار الذي يسود في فترات الحكم المتعقل في الإدارة والسياسة، وهو ما  يُلحظ من سيرة القوى المحلية المتغلبة وتعاملها مع مواطنيها المختلفين معها مذهبًّا، وبين دموية الحكم العثماني، غير المقتصر على المحكومين وحدهم، بل مع الحكام بعضهم البعض، حتى أن السلطان منهم لا يستفتح عهده في الحكم إلا بقتل إخوته والمقربين منه قبل غيرهم، بدعوى (منع الفتنة)، بينما الحقيقة جلية في أنه إنما يفعل ذلك ليضمن السلامة لنفسه وكرسيِّه([16]).  

الحكم الممهد لوقعة الشربة

بركات الحكم العثماني على المنطقة – كما حفظها التاريخ – كثيرة جدًّا تبلورت في صراعات مستمرة، وأمن مفقود، وضرائب باهظة، ومكوس وإتاوات. وطبيعي  – في وضع كهذا – أن يشحَّ القُوت، ويندر الغذاء، فما ظنُّك بالعلم والتعليم، وهو من لوازم الترف والرفاه؟ لقد ادعت سالنامة([17]) ولاية البصرة للأعوام 1308 – 1320هـ، – وهي التقرير السنوي للحكومة التركية – ادعت وجود مدرسة ابتدائية في القطيف، وأنا أزعم أن تلك المدرسة الوحيدة مقصورة على أبناء الجند الأتراك وحدهم، هذا ما أفهمه من السالنامة آنفة الذكر، وإليك ما جاء فيها بالنص:

(قضاء القطيف؛ من أقضية الصنف الأول، ومركزها بلدة القطيف، ونظرًا لوقوعه على ساحل البحر، وتمتعه بوجود كثير من المزارع والبساتين فيها فتعدُّ من أغنى وأنتج الأقضية في اللواء، وأكثر منتوجاته الزراعية هي التمور.

ويبعد قضاء القطيف عن مركز اللواء مسافة أربعين ساعة، ويوجد فيه مقرٌّ للحكومة، ومدرسةٌ ابتدائية، كما يوجد به خمسمائة إلى ستمائة منزل، وبه أكواخ كثيرة مصنوعة من جريد النخيل والطين، وبه سوق، وعدد سكانه خمسة آلاف نسمة، وأكثر أهاليه من الملاكين، وأبرز أنواع تجاراتهم اللؤلؤ)([18]).

أرأيت؟ القطيف – هذه التي يصفها التقرير السنوي للنظام نفسه بأنها من أغنى الأقضية، لا يوجد فيها من السكان سوى خمسة آلاف نسمة، وخمسمائة منزل ومجمَّع للدوائر الأميرية (السراي)، ومدرسة ابتدائية حكومية واحدة، والباقي أكواخ؟ فأين ذهب السكان؟

لا يصح لعاقل أن يعزو ضآلة السكان إلى هذا القدر في بلد بهذه السعة والخصب والثراء إلا إلى النزوح الجماعي والهجرات المتتالية، وهو ما شكل الظاهرة الأبرز لأهالي القطيف طيلة فترات القبضة التركية على المنطقة، حتى آل بهم الحال إلى الفرار من وطنهم، واللجوء إلى البحرين محتمين بالبرتغاليين([19])، وهذا من أعجب العجب، ولا تعليل له عندي إلا أن الحاكم التركي لم يكن يرى في البلد الذي ينكب به – في كل أدواره – أكثر من منجم للنهب أو بقرة للحلب، ولن نتوقع غير هذا السخاء من دولة تعد اقتناء الكتاب أو الجريدة جريمة تعاقب عليها حتى باستباحة حرمات المنازل، والسجن ومصادرة الأملاك([20]). فلا تطلب التعليم، وإلا تلوا عليك عجز البيت المنسوب للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

طلبت معدومة، فايأس من الظفر([21])

قبل سبعين عاما بالتحديد، كتب الأستاذ فارس بن محمد صالح الفارس (رحمه الله) – وهو من أوائل المعلمين القطيفيين في التعليم الحديث – مقالاً في مجلة العرفان اللبنانية عن التعليم في المملكة العربية السعودية، عنوانه: (التعليم في المملكة العربية السعودية – من العهد العثماني إلى العهد السعودي)، جاء فيه: (. . . التعليم في العهد العثماني ضئيلٌ جدًّا، ومنحصر في حلقات الخطاطين في الحرمين الشريفين، والكتاتيب، وفتحت مدارس ابتدائية صغيرة لم يكن الإقبال عليها يذكر، وفتحت، كذلك، المدرسة الصولتية (الصولية؟) وأوشكت الحركة العلمية في العهد العثماني الأخير على الاضمحلال، لو لا وجود بعض العلماء.

وصدر أمر من الدولة العثمانية بأن تكون اللغة الرسمية هي اللغة التركية، فتدهورت الحياة في مكة والمدينة، وكادت تنقطع معه كل صلاتها باللغة العربية، واصطبغت النفوس بالنزعة التركية)([22]). هذا في الحرمين الشريفين مهوى أفئد المسلمين في العالم كله، معنى هذا أن الدولة العثمانية أغلقت حلقات الدروس العلمية التي كانت قائمة في الحرمين الشريفين، يؤمها طلاب العلم من أنحاء العالم الإسلامي كافة([23]).

مدرسة القطيف أين موقعها؟

قلت إن المدرسة مقصورة على أولاد العسكر، ومن حقك أن تطلب الدليل، وهو لدي سهل ميسور، فمقرها معروف، لكن يحتاج إلى شيء من التوضيح.

يتذكر من أدرك القلعة قبل أن يهدم سورها أن بوابتها الشرقية المفضية إلى خارجها، المسماة (دروازة البحر)، بها دهليز هو الذي يعبر منه الخارج منها باتجاه البحر، هذا الدهليز فوقه ثلاث دوائر حكومية يُصعد إليها بدرج على يسار الدهليز، هي المحكمة، ويتبعها كاتب العدل فوق الدهليز مباشرة، والشرطة على يسار الصاعد على الدرج، وأمام الدهليز من الغرب فضاء مكشوف، يضم هذا الفضاء مبنى على يسار القادم من القلعة نحو الدهليز  يشغله السجن، يقابله على اليمين مبنى مهجور أمامه نخلة هذا المبنى المهجور قيل إنه لشخص اسمه (عبد الرزاق الكردي)، وهو الذي قيل إن المدرسة كانت فيه، وأنها استمرت إلى عهد الملك عبد العزيز، فواصل التدريس فيها([24])، هذه المجموعة من الدوائر الحكومية تسمى (السراي)([25])، أو (الصراج) في الاصطلاح المحلي. وسنزيد في تحديد موقع المدرسة هذا رواية أخي الأستاذ عبد المجيد سعيد الجامد مشافهة, مؤيدًا بما كتبه الأستاذ محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي محددًا المنزل الذي كانت تشغله ومالكه الكردي([26]).

وقعة الشربة وسطوة الخيال الشعبي

في مناخ كالذي عرضناه لا غرابة أن تتفشَّى الأمية والجهل، والإيمان بالخرافات والأساطير والترهات، والتصديق برؤية الجن: العبد المسَلسَل، وأم حمار، والدِّعيدع، وأن تألف الشعوذة، وتروج التعاويذ، والأحراز والأحجبة حتى لدى المتعلمين([27])، وأن يشيع الشفاء ببُصاق المؤمنين، وسجن الأسنان بدق مسمار صدئ في الأرض، وتنتعش الخيال الشعبي في تصوير الحوادث، فيرسمها بريشته المبدعة، وقد حفظ لنا ذلك الخيالُ الخلاق صورًا بديعة، وزخارف موشاة؛ فكنا – ونحن صغارٌ – نشاهد مواضعَ كثيرة، بجانب نخلة أو زاوية، أو منعطف طريق ترفرف عليها الأعلام مفروشةً بصواني العصيد المنذور به للأولياء طلبًا للشفاء، وما تزال في أذهان الكبار روايات عن كرامات ومعجزات الشيوخ، كالشيخ محمد بن ناصر بن نمر (رحمه الله)، ولا أحسبه يستسيغها لو سمعها، منها المشيُ على الماء، والناس حوله يغمر المطرُ سيقانهم، والكشف (علم المغيبات)، وغير هذه من الكرامات، وهذه  الكرامات والمعجزات – لحسن الحظ – مدونة، وبعضها مطبوع متداول، وبحوزتي كتاب واحد منها، على قلة عنايتي باقتناء الكتب([28]).

هذه كلها شائعة متداولة رغم معارضة علماء الدين لها، ومن تلك المعارضات حكاية (حجَرة السيدة) التي في الطريق بين بلدتي المدارس ومياس، هذه بقيت مضاءة بالشمع، وملطخة بالحناء، وتفوح من الصواني المنضودة حولها روائح العصيد، بزعم أنها قبر سيدة من آل البيت، هذه الحجَرة حين بلغ خبرها المرجع الديني الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي (طيب الله ثراه) أرسل أحد الرجال كي يقتلعها، ثم عدل وأرسل خلفه من يردُّه، وحين سئل عن سبب عدوله، علله بأنه (خشي – إن هو أصيب في يوم من الأيام – ولو بزكام، تزداد عقيدة الجهلة في هذه الحجرة، فيقولون إنها (شَوَّرت) فيه، أي عاقبته بالمرض بسبب إزالتها، فتركها لعل الوعي يغشى الجهلة فيعون خطأهم.

تلك هي البيئة التي احتضنت وقعة الشربة، فرسمت لنا حكايتها على نحو ما تفعل شهرزاد في تنويم بطلها شهريار، قالت: (لما طال على أهل الدبايبة الحصار جاءوا للشيخ محمد بن ناصر النمر – وكان يسكن فيها، وله بها بيتٌ وحوزة([29]) – فسألوه أن يخلصهم من المحنة – فأمرهم أن يحضروا له جرار ماء، فأحضروها، فقرأ عليها أذكارًا، وأمرهم أن يرشوا بها سور البلدة، ففعلوا، فصار البدو كلما اقتربوا من السور ظهرت لهم نار تلاحقهم، حتى يئسوا وغادروا مخذولين.

هذه الحكاية ما زالت متناقلةً بالصورة الشهرزادية عينها. استمتع بسماعها في المقطع الصوتي بصوت الحاج سعيد بن عبد الحسين المقابي (رحمه الله) في هذا الرابط: https://chl.li/eJ8UC .

 المرحوم الحاج سعيد المقابي (رحمه الله) تاجر متعلم، وذو صلة وخلطة بعلية المثقفين وعلماء الدين، وإن لم يتعاط الكتابة. توفي يوم الأحد 18 ذي القعدة 1437هـ، 21 أغسطس، سنة 2016م، أي قبل خمس سنين، فهو – كما ترى – معاصر، وواضح أنه سجل هذا المقطع مصححًا لما كتب عن الحادثة، فمع أن أغلب ما في روايته لا يخرج من حيِّز الممكن، إلا أنه لم يستطع التحرر من أسر الخيال الشعبي، فجاء بالماء والتراب، وطرد به الغزاة. وسنحتاج للعودة إليه لاحقًا.

__________

([1])بنو خالد وعلاقتهم بنجد، عبد الكريم بعد الله المنيف الوهبي، دار ثقيف، للنشر والتأليف، الرياض، الطبعة الأولى، 1410هـ، 1989م ص: 100 – 110.

([2])في القطيف يتكون هذا العلف من النوى وحشائش تسمى  الفَرفَخ (البربير المر)، وفضلات الطعام، ويسمى الفَخَّارة.

([3])رحلة مرتضى بن علوان إلى الأماكن المقدسة، والأحساء والكويت والعراق، 1120 – 1121هـ 1709م، تحقيق د. سعيد بن عمر آل عمر، إصدار مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية، جامعة الكويت، 1418هـ 1997م، ص: 79 – 80.

([4])انظر: بنو خالد وعلاقتهم بنجد (1080 – 1208هـ)، عبد الكريم بن عبد الله المنيف الوهبي، دار ثقيف للنشر والتأليف، الرياض، الطبعة الأولى، 1410هـ، 1989م، ص: 356 – 357.

([5])وزير دولة آل حميد الخالديين، الشيخ ناصر بن بهاء الدين الخطي (النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري)، تحقيق الشيخ عبد الزهراء العويناتي، تموز ديموزي، البحرين، الطبعة الأولى، 1439هـ، 2018م.

([6])الرابط: https://chl.li/bIVqz .

([7])بنو خالد وعلاقتهم بنجد (1080 – 1208هـ)، عبد الكريم بن عبد الله المنيف الوهبي، مرجع سابق، مشجر البيت الحاكم في آل حميد،  ص: 421.

([8])  نفسه.  ص: 421.

([9])لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب، تأليف حسن بن جمال بن أحمد الريكي، درسه وحققه وعليق عليه، أ. د. عبد الله الصالح العثيمين، الحلقة 4 من سلسلة مصادر تاريخ الجزيرة العربية المخطوطة، دارة الملك عبد العزيز، الرياض، 1426هـ، 2005، ص: 132.

([10])لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق،ص: 137.

([11])الأطلس التاريخي للملكة العربية السعودية، لجنة من الأساتذة، إصدار مركز نظم المعلومات الجغرافية، دارة الملك عبد العزيز، الرياض، الطبعة الثانية، 1421هـ، 2000م، ص: 98.

([12])  هو رحمة بن جابر العذبي.

([13])يوميات رحلة عبر الجزيرة العربية، من القطيف في الخليج، إلى ينبع في البحر الأحمر، خلال عام 1819، جورج فورستر سادلير، ترجمة عدنان السيد محمد العوامي، مراجعة عبد المجيد سعيد الجامد، نشر مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ودار أطياف، القطيف، الطبعة الأولى، 1437هـ، 2016م، ص: 55 -57 .

([14])عنوان المجد في تاريخ نجد، الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر، النجدي الحنبلي، حققه وعلق عليه عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، مطبوعات دار الملك عبد العزيز، الرياض، الطبعة الرابعة، 1402هـ، 1982م، جـ2/25.

([15])مراجعة عدنان السيد محمد العوامي، تظهير عبد الله عبد المحسن، إصدار نادي المنطقة الشرقية الأدبي، مطابع الشركة الشرقية، الدمام، الطبعة الأولى، 1435هـ 2014م، المقدمة.

([16])البلاد العربية والدولة العثمانية، ساطع الحصري، دار العلم للملايين، بيروت، 1960م، ص: 33، والعلاقات العراقية الإيرانية، صعد الأنصاري، دار الهدى، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ، ص: 27.

([17])مصطلح مركب من كلمتين: سال، وتعني بالفارسية: سنة، ونامة، وتعني رسالة، أو كتاب، ويقابلها في العربية: الكتاب السنوي. انظر: المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية، سهيل صابان، إصدار مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، السلسلة الثالثة (43)، 1421هـ، 2000م، ص: 131.

([18])من وثائق الأحساء في الأرشيف العثماني 1288- 1331هـ، د, سهيل صابان، ص: 27.

([19])وانظر العثمانيون في القطيف، مقدمة ديوان الشيخ جعفر الخطي، تحقيقنا، دار الانتشار العربي، بيروت، 2005م، الجزء الأول، ص: 43 – 47.

([20])مسيرة الصحافة من لواء نجد إلى المنطقة الشرقية،  كتاب (قطوف وحروف في التاريخ والتراث والأدب) عدنان السيد محمد العوامي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، دار أطياف، القطيف، الطبعة الأولى، 1440هـ، 2018م، ص: 43.

([21])الديوان المنسوب للإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، تحقيق عبد المنعم العاني، الحكمة للطباعة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ، 1994م، ص: 70.

([22])الجزء 10، المجلد 40، ذو الحجة 1372هـ، آب 1953م، باب: ادفع بالتي هي أحسن ص: 1194.

([23])انظر قطوف وحروف، عدنان السيد محمد العوامي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ودار أطياف، القطيف، 1440هـ 2018م، ماقلة (الشعر المهاجر)، ص: 112.

([24])التعليم في القطيف – ماضيه القريب وبدايات التحديث، (التعليم النظامي الحديث)، قطوف وحروف، عدنان السيد محمد العوامي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ودار أطياف، القطيف، 1440هـ، 2018م، ص: 37 – 38.

([25])السراي، فارسية الأصل تعني: المنزل،أو القصر، وفي الاستعمال العثماني تعني مجموعة المباني المشيدة في القصر الإمبراطوري من بلاط ومنازل لأعضاء الأسرة المالكة، وموظفي شؤن القصر. المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية، سهيل صابان، مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، مراجعة د. عبد الرزاق محمد حسن بركات، الرياض، السلسلة الثالثة (43)، 1421هـ، 2000م، ص:133.

([26]) خيوط من الشمس، محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي، مؤسسة البلاغ، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ، 2000م، جـ1/39.

([27]) الحركة الوطنية السعودية، السيد علي العوامي، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، نيسان- أبريل، 2015م، ص: 39.

([28])الشيخ محمد النمر العوامي، تأليف الشيخ حسين ناصر الصباح، دار المصطفى لإحياء التراث، مطبعة أمين، قُم، إيران، الطبعة الأولى، 1418هـ، ص: 93- 94.

([29])أحد مراجع التقليد، مشهور بمواقفه الوطنية، وقد بلغت ثقة الناس به أن نسبوا إليه خوارق لا أظنه يرضاها لو علم بها.

تعليق واحد

  1. تعليق بسيط
    لا اعتقد بأن وجود الخرافات والاعتقادات الخاطئة _رغم تحفظي على المصاديق التي تفضل بها الكاتب_ لها علاقة السبب والمسبب بالحكم التركي
    فكثير من تلك الامور بقيت والبعض استحدث ونشأ بعد الحكم التركي رغم ان المذهب الرسمي للحكم الجديد كان قائما على محاربتها
    لقد كان هناك صنم بالقرب من ابها يقدم له القرابين وبقي حتى بعد العام الفين
    اما بالمنظقة فقد شاهدت الاجيال الموجودة الكثير من تلك الاساطير والادعاءات وكما قلت ان عضها استحدث في سنوات جل الناس متعلمون .
    وهنا يمكن ان نستشف ان الحكم التركي لم يكن يتدخل في عقائد اهالي البلاد التي يسيطرون عليها وعدم وجود لاي وثيقة على هدم مسجد او قتل عالم شيعي اثناء الحكم العثماني للمنطقة هو احد الشواهد
    ربما يرجع هذا الامر للروحية العقدية التي ينتمي لها الاتراك
    اما الوضع الاقتصادي فان السيد علي العوامي في كتابه الحركات الوطنية يثبت انه كان ممتازا ابان الحكم التركي

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×