الضامر ينتصر لفلكلور الإنسان ويعتب على التنمية الرسمية سرق جمهور منتدى الثلاثاء وشرّح واقع توثيق التراث وتحدّياته

القطيف: أمل سعيد

فيما يشبه السفر عبر الزمن انقضى وقت المحاضرة التي حملت “عنوان الفنون الشعبية والتنمية الثقافية”، وكما العائد من السفر خرج جمهور منتدى الثلاثاء الثقافي محملاً بجرعة مركزة ـ وواعية ـ من حنين للأرض القديمة وعُمّارها. هكذا بدا الباحث الدكتور سمير الضامر متألّقاً مشوّقاً، واضحاً في عرضه وتناوله الموضوع المتشابك.

وقد عرف الدكتور الضامر؛ كيف يسرق انتباه جمهور منتدى الثلاثاء منذ البداية.. فبعد تعريفه عبر مقدم الأمسية حبيب محمود؛ عرض الدكتور الضامر فيلما قصيراً مدته 5 دقائق، عاشت مع الأحساء، في طقوس حصاد الرز في أواخر أربعينيات القرن الماضي، ثم ظهرت ـ في الفيلم ـ سيدة تتحدث عن غناء “الخمّاري” في الأعراس، قبل أن يظهر المطرب مطلق دخيل شاهداً على موروث الغناء في الأعراس القديمة، ومستشهداً ببعضها بروح طربية حميمة.

تأليف جماعي

هكذا أراد الضامر أن يستحوذ على انتباه جمهوره. وحين تسلّم الحديث؛ افتضّه بأسئلة كثيرة، محاولاً تعريف الفنون الشعبية بوصفها فنوناً جماعية أفرزتها الحالات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات القديمة، ومن سمات هذه الفنون أنها تُتوارث وتتلقاها الأجيال وتتناقلها، ولا نستطيع -غالبا- أن نجد لها مُؤلفاً، فالمُؤلف هو الشعب، وهو الضمير الجمعي الذي يعبر عن عواطفه وانفعالاته وأفراحه وأحزانه وطقوسه بطريقة منظمة غاية في النظام، وهذا النظام مُنتج من منتجات الشعب العاميّ.

أغانٍ وحرَف

واستعرض الضامر أشكال الفنون الشعبية ما اتصل منها بفنون الأغاني، وما اتصل بالحرف اليدوية، مشيراً إلى أن البحث العلمي في توثيق الفنون الشعبية يقوم على تصنيفها إلى نوعين: فنون شعبية شفاهية، وفنون شعبية مادية، ومهما تم التصنيف الدقيق إلا أن هذه الفنون تتداخل على بعضها، ويشكل بعضها إفرازاً وسبباً في نشأة الآخر، فالعمل في الفلاحة ــ مثلاً ــ مقترن بشكل كبير بأداء فنون شعرية بطريقة صوتية مؤثرة، وبطريقة في أداء الجسد كما يعمل الفلاحون في موسم الحصاد.

خريطة شاملة

وقال الضامر إن المتتبع للفنون الشعبية في المملكة العربية السعودية، بل وعموم الخليج العربي، باستطاعته أن يكوّن خريطة شاملةً ومتنوعة لعدد من الفنون في كل المناطق، بمختلف بيئاتها: البحرية والريفية والصحراوية والجبلية.

ثم تكلم عن تجربته الشخصية في توثيق الفنون الشعبية والتي رصدها في كتابه “البشتخته”، حيث قال” وجدتُ فرقاً كبيراً في النظامين؛ النظام الشعبي والنظام الحديث، فكلاهما يقدم تنمية!

ولكن نتائج التنمية على المدى البعيد غير متحققة في الفنون الحديثة. فهي فنون استهلاكية وقتية، ترتجي الربح المادي السريع، وتخترق الذوق العام بابتكارات في صناعة الصورة التي تجرح المشاعر وتفسد الذوق.”

مقارنة

ثم أوجز الفروق الرئيسية بين سمات الفنون الشعبية وسمات التنمية الرسمية مشيراً إلى أنها مقارنة بين نظامين نظام قديم لا مؤلف له ونظام حديث له مؤلف وهو مشترك بين أغلب تنميات دول العالم.

كما وضع مقارنة بين التنميتين، تضمنت التالي:

الفنون الشعبيةالتنمية الرسمية
بدائيةمتحضرة
ثابتة مكتملةمتحركة ومتغيرة
لهجتها عاميةلهجتها فصيحة
حركية في كل مكانحركيتها محدودة (المركز و الأطراف)
ناتجة عن مؤسسة الشعبناتجة عن مؤسسة الدولة
تنتقل بالرواية والشفاهيةتنتقل بالخطابات والبلاغات الرسمية
نظامها كوني طبيعينظامها سياسي براغماتي
جزء من الحياة (وظيفية)الفنون ليست جزءا من الحياة/التنمية
الفنون الشعبية لا تفرق بين الطوائفهل التنمية تسن قانون ضد الطائفية؟
الفنون الشعبية جمالية نفسيةالتنمية لم تهتم بالخطاب الجمالي والنفسي
إنسانية بالكاملانسانية بمقدار المصلحة
ينتجها ويشاركها الجميعينتجها مجموعة مُحتكرة
الفنون الشعبية لا سلطة لهاالتنمية ذات سلطة
الفنون الشعبية = التوازن والاستمراريةالتنمية تتغير وتتنوع في النظريات والممارسات
الشعب ناظرا للحياةالشعب منظورا إليه

حديث حي

كان حديث الدكتور حيا آسرا عميقا وكأنه أداء مسرحي، فرغم استقراره في مكانه إلا أنه يميل بجسده ويضع كفه قرب فمه في محاولة لتقليد النهام ومنشد البنائين وحتى في محاكاة الأم وهي تهدهد طفلها. هذا الجمال في حضور الدكتور قابله جمال مماثل وحماس واندهاش من حضور الأمسية.

وحول التصنيفات التي لحقت بالفنون ومتعاطيها بيّن الضامر أن بعض الأيديولوجيات المتطرفة هي من سعت لوضع الفنون الشعبية في خانة المحرم والعيب واصمة من بقي متمسكا بالتراث الفني الشعبي بالفساد والإنحلال.

واستعرض بعضاً من الكتب التي طبعت ووُزعت في فترة قاتمة من الزمن أريد لها أن تتسيد الوضع وتطبع الناس بما فيها.

ختم الدكتور حديثه لكنه كان الحديث الذي لا يُمل كما وصفه مدير الأمسية حبيب محمود الذي زاحم الحضور في المداخلات، وابتدأ بنفسه قبل أن يُتيحها للحضور.

وفي معرض تعليقه على مداخلة علي الحرز؛ كشف الضامر عن استعدادات جارية، هذا الشهر لتدشين أول التدوينات الخاصة بالفنون الشعبية عبر فريق بحثي متعاون.

وفي سؤال آخر عن طارق عبد الحكيم ومشروع توثيق الفنون الشعبية في الجزيرة العربية أجاب الدكتور بأن كتاب طارق عبد الحكيم تعرض لأشهر الفلكلورات في الجزيرة العربية وهو كتاب رائع ومهم لكن به نقصاً كبيراً، فهو خطوة أولى تحتاج إلى تتمة.

شارك في المداخلات كل من: المهندس نادر البراهيم، أحمد سماحة، محمد صالح، وفاضل معتز، وفاضل عمران، وصالح العمير، قبل أن يختتم راعي المنتدى المهندس جعفر الشايب الأمسية الثرية، بشكر الضيف وتكريمه.

فعّاليات مصاحبة

صاحب المحاضرة عدد من الفعاليات:

فبدأت الأمسية بعرض فيلم إنسان للمخرج حسن عباس ومن تأليف مهدي السنونة وتمثيل قاسم المسري.

تلا ذلك تكريم للطفلة جود النمر ذات الـ 8 أعوام التي نُشر لها كتاب بعنوان “قصص خيالية من عالم الحيوان”، عام  2017.

وبعدها تسلم التشكيلية زهراء المتروك المنصة وتحدثت عن لوحاتها المعروضة في جدار مقر المنتدى، كفعّالية مصاحبة، وتناولت أعمالها والتقنيات والألوان التي استعملتها في رسم لوحاتها، وأيضا إلى دلالات الأرقام والألوان مبينة أنها تميل إلى استخدام ألوان الأرض.

 

للاطلاع على نص ورقة العمل التي قدمها الدكتور الضامر، يمكنك زيارة الصفحة التالية:

الفنون الشعبية والتنمية الثقافية

 

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com