عباءة الرأس ليست من تراث القطيف جاءت من العراق وحاربها المجتمع في البداية.. ثم انتقل إلى الدفاع عنها

موروث الحجاب تركز في ثلاثة: الرداء، المقنعة، المِشمر

القطيف: صُبرة

في المجتمع الشرقي؛ يتجدد الجدل حول حجاب المرأة جيلاً بعد جيل. ما هو مرفوضٌ اليوم بدافع المحافظة؛ سيتمّ الدفاع عنه غداً بدافع المحافظة أيضاً. ولكل جيل معايير المحافظة الخاصة به. والجدل القائم حالياً؛ حول أزياء العباءات النسائية مصدره الفهم المختلف لـ “الهوية”، ولـ “العُرف” ولـ “التقاليد”. وكل هذه القيم تُغيّرها التحولات طبيعياً.

وعلى مدى العقدين الفائتين؛ وقعت العباءة في دائرة الجدل المتجدد. من عباءة “الرأس”، إلى عباءة “الكتف”، إلى “المخصّرة”، إلى “الملونة”، و “المزركشة”. ومن “البوشية” القاتمة، إلى الشفافة. ومن النقاب الذي يُظهر العينين، إلى اللثام الداكن، إلى اللثام الشفاف، إلى لا شيء.. حيث يظهر الوجه كاملاً، ومعه جزء من الشعر، أو جزء من الذقن، أو جزء من الخد.

تحوّلات متلاحقة، تتزامن معها جدليات متضاربة، بعضها يُراهنُ على “الستر”، وبعضها على “العُرف”، وبعضها على التحديث والانفتاح، وبعضها على الحرية. وهذه هي طبيعة المجتمعات في صراع المحافظة والانفتاح.

في مجتمع القطيف، تحديداً، احتدم الصراع حول “العباءة”، بوصفها التعبير الأصيل عن هوية المرأة. ولكن الحقيقة التاريخية تؤكد أن “العباءة” بالعموم ليست من هوية المجتمع القطيفي أصلاً، وإنما هي طريقة حجابٍ دخيلة على القطيفيات. ما يعني أن كل الجدل المستمر حول “العباءة” بأشكالها وأزيائها، إنما هو “كلامٌ” يحوم حول هوية دخيلة من الأساس..!

 ستر

تركّز حجاب المرأة في القطيف القديمة على مفهوم “السَّتر” الفقهي. وهو فهمٌ ينسحب على لباسها عموماً، داخل البيت وخارجه. وهذا المفهوم يضع في حسبانه “عدم الشف” و “عدم التجسيد”. وتمثلت تطبيقات هذا المفهوم في ثلاثة أنواع من الحجاب: المقنعة الخاصة بالقرويات، والرداء الذي ترتديه الثريات، و “المِشمر” المستخدم في المنزل وضمن نطاق الحي الصغير.

الـ “مِگنَعَهْ” رداءٌ أسودُ غير سميك، تتحجّب به نساء الطبقة البروليتارية، نساء الفلّاحين والبحارة والحرفيين. أمّا نساء الطبقة الميسورة؛ فيرتدين “رداءً” أسودَ سميكاً مخططاً بالأحمر.

ولـ “مگنعه” أكثر من اسم، فهي “دَفَّهْ” و “شَيلَهْ”. وهي تغطّي كامل الجسد. وتستخدم المرأة جانبيه لتغطية الوجه بيدها من الجهة التي يقف فيها الرجل الأجنبيّ عنها. وقد تلفُّ المرأةُ مِلْفَعاً حول رأسها (تشبه اللفة الحالية)، فلا يظهر من شعرها شيء، قبل ارتداء المـِقنعة..!

العباءة عراقية

ثمّ دخلت العباءة (العباةْ، العبايَهْ، البشت)، عبر بوّابة البحرين بزيّها العراقي. وبالطبع؛ بدأت نساء الطبقة الميسورة ارتداءها قبل القرويات. تصميم العباءة النجفية هو نفسه تصميم عباءة الرأس التي ما زالت مستخدمة. ولكنّ خامتها خشنة جداً. حتى إذا بلِيَتْ؛ قطعوها إلى خِرقٍ وأعادوا استخدامها “مداعچ” لتنظيف البشرة أثناء الاستحمام.

ولأن نساء البحرين والنجف يتحجّبْن دون تغطية الوجه، أدخلت القطيفيات بعض التعديلات، فكانت “البُوشيَّه” غطاءً حاجباً لكامل الوجه. وبدلاً من انشغال المرأة بتغطية وجهها يميناً أو يساراً، تبعاً لموقع الرجل الأجنبي، صارت “البوشية” وافية بالغرض حدّ طمس الرؤية. والبوشية تتكوّن من طبقات؛ وضعيفة البصر تُوصم بـ “قلة الحياء” حين تقلّل من طبقات “بوشيتها” لغرض الرؤية. وكان أيسر عليها أن تقع في حفرة، أو تتعثر بحجرة، من أن تُوصم بـ “شفّافَهْ”..!

رفض العباءة

حتى حين جاءت “العبايَهْ”؛ جوبهت برفض القطيفيين. لم يكن الناس ليقبلُوا الاستغناء عن “المقنعة” و “الرداء” المخطط بحجابٍ “مُو سَتُورْ”. أعملوا تفكيرهم الفيزيائي في آلية التستُّر. في المقنعة تتستّر المرأة برفع طرفٍ لتغطّي جانب وجهها من جهة الرجل، فلا يراها. وقبل ذلك تلفّ المقنعة على جسدها، فيتغطى جذعُها كاملاً، ومع الجذع ركبتاها وفخذاها. وما دون ذلك مستورٌ بـ “صروال” فضفاض.

وهذا لا يتحقّق ـ فيزيائياً ـ مع “العبايَهْ” المفتوحة كلها من الأمام. حتى باستعمال “البُوشيَّهْ” يبقى الجذع والأقدام بلا غطاء، ويستلزم الأمر ضمّ طرفَيْ “العبايَه”، وهذا يعني تجسيداً للصدر وللخصر وللأرداف. ما يعني ـ أيضاً ـ أن مصيبةً داهمت المجتمع.. هذه المصيبة اسمها “العبَايَهْ”…!

رُفضت “العبَايَهْ”، في البداية لأسبابٍ بصرية مستندة إلى فهم الناس لـ “ما شفّ وجسّد” فقهياً. عباءة الرأس تكشف نسبياً، وتجسّد نسبياً.. وجديدة على المجتمع. وكما هي عادة المجتمع المحافظ؛ فإنهم تشدَّدوا في الرفض، ومعايرة لابسات العباءة. ثم ما لبث أن تحوّل المرفوض إلى اعتياديّ يُهروَل إليه هرولة…!

حتى العباءة، نفسها، استحالت موضوع جدلٍ اجتماعيّ بعد استقرارها وقبولها. ذلك أنها لم تعد تُحاك من خامة خشنة ثقيلة. دخلت عباءات الحرير الصناعي الخفيفة التي يمكن أن يُطيّرها الهواء، ويشدّها على الصدور والخصور. ما زلتُ أتذكّر “هدرة الحريم” عن “العبايات” الجديدة، وتفضيل “العبايَهْ” النجفية” عليها في الستر والحشمة. كان ذلك أوائل الثمانينيات، حين صارت الأسواق تغرق بالسلع من كلّ مكان..!

 نموذج قياسي

ثم ما لبثت عباءات الحرير الصناعيّ أن صارت هي النموذج القياسي للحشمة standard، وتجاهل الناس ما عابوه واستهجنوه منها، ليتفرَّغوا لجدلياتٍ متلاحقة، بدءاً من طبقات “البُوشيّه”، ثم شكل النقاب، ثم عباءة الكتف، ثم ظهور الوجه كاملاً، ثم ظهور شيءٍ من الشعر، وصولاً إلى تصاميم العباءات، وأزيائها، وألوانها، وتطريزاتها، وصُداعٍ لن يهدأ، لأن أُسَّهُ قائمٌ على دسّ الاستفزاز في الأمر بالمعروف، والتمرُّد في المُسايرة..!

مِشْمَر..!

وبعض نساء القرى يرتدين “المِشْمَرْ” بدلاً عن “المِگنَعَهْ” حجاباً في القرية كلها. على أن السواد الأعظم من نساء القطيف لا يرتدين “المشمر” إلا في البيت، حجاباً عن الأقارب من غير المحارم، وربّما المحارم، زيادة في السَّتر.

يسكن الأب في البيت الكبير، ومعه أولاده وزوجاتهم وأولادهم. وتتوزّع مهامّ البيت على الزوجات، يوماً بيوم. ولكل ابن وزوجته “دار” واحدة، أي غرفة. ولا خصوصية لأيٍّ من الزوجات إلا في “دارها”، فإذا خرجت لتطبخ أو “تخم” أو تقضي حاجاتها؛ احتاجت إلى “المشمر” لسترها عن أخوة زوجها.

يُشبه المشمر “التَّوْب” السوداني، و “الشّادُور” الإيراني، و “الساري” الهندي. وهو مستخدم في كلّ الأقاليم الخليجية. ولعلّ فيه تأثيراً من كلّ ذلك، أو بعض ذلك.

كان المشمر حجاباً، ثم استحال زينة، ذلك أن الزوجات لم يعدن يعشن في البيت الكبير. لكلّ زوجةٍ بيتها، أو شقّتها. ولا تحتاج إلى “مشامر” ولا حجابٍ، اللهمّ عرَضاً، أو في ليالي “جلَواتها” واستعدادها لحفل العرس.

مُعايرة: بالْگـَهْ وجـِهّا…!

(بالقةٌ وجهها)

وصف لاذعٌ للمرأة التي تكشف عن وجهها. وحتى عهد قريب كان سكان القطيف يستخدمونه ضد تصرف معيب في نظرهم. إذ الأصل ـ عندهم ـ تغطية الوجه عن غير المحارم. وهناك مجموعة من التوصيفات المشابهة، أتذكر منها:
ـ ما تستحي بالْگـَهْ وجـِهّا/ وجـِهّا مبلوگْ…!
ـ تفتش/ تفتح وجـِهّا…!
ـ ما تتغطى..!
وكلمة “بالْگـَهْ/ بالقة” ذات أصل فصيح جداً. وهي مشتق في صيغة اسم فاعل للفعل “بلَق”، وحسب “مقاييس اللغة” فإن معناها “هو الفتح”.
لكنّ الكلمة استُعملت، لدى عرب الجزيرة، في فتح الباب على نحو شائع كثيراً، وهذا ما جاء به:
مقاييس اللغة: يقال أبلَقَ البابَ وبلَقَهُ، إذا فتحه كلّه
الصحاح في اللغة: وَبَلَقْتُ البابَ وَأَبْلَقْتُهُ، إذا فتحتهَ كلَّه: فانْبَلَقَ.
لسان العرب:وبلَقه يَبْلُقُه بَلْقاً وأَبلَقه: فتحه كله، وقيل: فتحه فتحاً شديداً وأَغلقه، ضدّ.
وانْبَلَقَ الباب: انْفَتَحَ؛ ومنه قول الشاعر: فالحِصْنُ مُنْثَلمٌ والبابُ مُنْبَلِق وفي حديث زيد: فبُلِقَ الباب أَي فُتح كله. يقال: بلَقْتُه فانْبلَق.
وبناءً على هذا يبدو استخدام “البلق” محدوداً حسب هذه القواميس في معنى فتح الباب. 
إلا أنني أرجّح أن سعته الدلالية (الفتح عموماً) موجودة في بلاد البحرين (منطقة الخليج العربية)، فهي تعني: الفتح والكشف.

‫2 تعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com