[7] بستان السيحة وسمر الذاكرة الحاج أحمد بن سلمان الصائغ الشهير بالكوفي

عدنان السيد محمد العوامي

في الحلقة الماضية تعرَّفنا إلى رمز من رموز هذا البلد الذي قيل عنه إنه (معزول) يعيش في الهامش، وثقافيًّا؛ مجرد إحدى العوالق التي تتغذى على موائد المراكز الثقافية كمصر ولبنان والعراق، هذا الرمز وهو الحاج أحمد السنان، نجده يستورد الراديو لنقل أخبار الخارج وأحداثه إلى مواطنيه، ويتبعه بالسيارة، ولم تكتف الرواية بهذا بل أخبرتنا إن بيته منتدى ثقافيًّا لأمثاله من الشباب المثقف، وفي المدونات أنه من مؤسسي نادي العروبة في البحرين، وهو ناد لم يخفت وهجه إلى يوم الناس هذا.

الشاعر أحمد الكوفي في أواخر حياته

في هذه الحلقة نتعرف إلى شخصية أخرى أطلقوا عليها لقب “شيخ شعراء القطيف”؛ ليس لأنه رجل دين حسب المصطلح الشائع، وإنما هو شيخ بالمعنى الأصلي للكلمة، أي إنه أكثرُ مَن عَمَّر من معاصريه، وهو من أسرة الصائغ، واشتهر بالكوفي؛ لا لأنه من أهل الكوفة، وإنما يقال إنَّ والده ولد فيها.

وُلِد أحمد الكوفي في شهر جمادى الأولى سنة 1324هـ، وأدخل المعلم (الكتاب) فحفظ شيئًا من القرآن الكريم، ولم يكمل تعليمه بسبب ضيق ذات اليد، فخاض معترك الحياة مبكرًا لينفق على أسرته، فدخل الغوص، حسب تعبير أهل القطيف، أي عمل فيه، ورتبته بين نُوتْيِّة الغوص سَيْب، والسيب في القاموس الملاحي هو المكلف بالحبل الذي يستخدمه الغواص في النزول إلى قاع البحر والخروج منه، مكانه على سطح السفينة، ومهمته سحب الغواص إذا حرَّك الحبل علامة  رغبته في الخروج.

يُردِّد أهل ذلك الزمن حكمة شعبية بلهجتهم تقول: (ويش لك في البحر وأهواله ورزق الله على السيف)، لم يصغ صاحبنا الكوفي لهذه النصيحة التي يتشبث بها غيره من الرعاديد، المعوبين من المغامرة، فغامر بركوب البحر حتى تعرض للموت غرقًا في ما عرف بسنة الطبعة، لكن الله نجَّاه مع نفر قليل من البحارة. وتسألني ما الطبعة؟ وما سَنَتُها؟ كان أجدادنا يؤرخون بتسمية السنة بأعظم حادثة جرت فيها، فسنة الجراد مثلاُ؛ سنة غزتهم فيها أسراب الجراد، لا أنها أقامت في البلد السنة بكاملها، ومثلها سنة الطبعة سُمِّيت بأعضم حادثة وقعت فيها، وهي الطبعة، وأما الطبعة فهي – في اصطلاح أهل الخليج – غرق السفينة.

يذكرون إنه في الساعة الواحدة والنصف بالتوقيت الغروبي – أي وقت صلاة العشاء، قرابة السادسة والثلث مساء بتوقيت اليوم من مساء يوم الخميس “ليلة الجمعة” 13/3/1344هـ، الموافق 30/9/1925م – هبَّت على الخليج عاصفة قوية أغرقت حتى أكبر السفن وأقواها، وأغرقت العديد من ركابها من جميع أقطار الخليج. ويتم المرحوم الكوفي حكايته، مع البحر: “بعد أن ألقت بنا العاصفة في عرض البحر؛ ركبت أنا ومعي 14 شخصًا من زملائي في السفينة على الدقل(3)، وتشبَّث به كل واحد منَّا، وظلَّت الأمواج تتقاذفنا، ونحن متمسِّكون بالدقل؛ كيلا نرسُب في قاع البحر، ونروحَ طعمةً سائغة للأسماك، وهكذا ظللنا على ذلك الدقل من حين هبوب العاصفة حتى ضحى اليوم التالي، حين انتشلتنا إحدى السفن التي خرجت بعد سكون العاصفة للبحث عن الناجين، يواصل أحمد الكوفي: “حينما صعدنا على متن السفينة التي انتشلتنا؛ وجد كلُّ واحدٍ منَّا لحمَ فخِذِه الملاصقَ للخشب قد تهرَّأ؛ لأننا كنا نضغط عليه بقوة حتى لا تُطيح بنا الأمواج من على الدقل”()( ).

هذا ضربٌ من علماء تلك الحقبة وأدبائها شعراء وناثرين.

حكاية الكوفي (رحمه الله) – تتمها وثيقة حصلت عليها منه  أثناء ترددي على منزله لجمع ديوانه – وهي صورة شكوى بعث بها مع عدد من نوتية الغوص إلى الملك عبد العزيز تشرح ما يتعرضون له من ظلم الربابنة “النواخدة” لهم، وكذا من مجلس الغوص، وانحيازه إلى جانب الربابنة، مؤرخة في 6 ربيع الأول سنة 1356هـ.

بعد نجاته من الغرق في تلك الحادثة العصيبة طوَّعت له نفسه الشاعرة العودة للقلم، فالتحق بالشيخ ميرزا حسين البريكي، مصاحبًا وتلميذًا، والشيخ البريكي أحد شواخص القطيف العلمية والثقافية، عالم دين وخطيب وأديب وشاعر، ففي علوم اللغة والأدب تخرج عليه جيل الرواد، أمثال الشاعر المؤرخ محمد سعيد المسلم، والسيد علي العوامي، وأخيه السيد حسن، ومحمد سعيد أحمد الجشي، وغيرهم، ومن الجيل اللاحق، ولده محمد سعيد، وصهره محمد رضي الشماسي، ومكتبته من أشهر المكتبات الخاصة في القطيف، إن لم تكن أشهرها( ).

من شعره

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945م، وبدأت الدول المنتصرة خطواتها للقتسام كعكة الهيمنة على العالم العربي، أوفدت الولايات المتحدة الأمريكية لجنة عُرفت بلجنة (كينج – كراين) مهمتها استطلاع  رأي شعوب الشرق الأوسط في الاستقلال، ومدى قدرتها على إدارة شؤونها تحت رايته، فطافت على الدول العربية ومنها العراق، وتشارلز كراين – أحد أثرياء اولايات المتحدة في ذلك الوقت – كان أشهر أعضاء اللجنة، فاستقبله أدباء العراق ومثقفوه، بما يستحق من تجلة وترحاب على الطريقة العراقية، وفي مقدمتهم الشاعر معروف الرصافي بقصيدته الساخرة المشهورة:

جئت يا مستر كراين

فانظر الشرق وعاين

فهو للغرب أسير

أسر مديون لدائن

إن هذا الشرق والغرب

لمغبون وغابن

فترى الشرق تجاه الغرب

يسعى سعي ماهن

وترى الغرب عليه

واقفاً موقف خائن

مُنكِراً منه المزايا

مُوجداً فيه المطاعن

غاصباً منه المواني

شاحناً فيه السفائن

حافراً فيه المعادن

نابشاً فيه الدفائن

فهو يمتص دماء

الشرق من كل الأماكن (4)

وتناهت أصداء القصيدة إلى القطيف، ويبدو أن الكوفي كان على علم بأن زيارة المملكة العربية السعودية على خارطة كراين، فاستقبله بالأبيات التالية مجاريًا فيها الرصافي:

  نحن يا مستر كراين

أهل خِلف متباين

مثلما بين السما و

الأرض، يا مستر كراين

بابتعاد وافتراق

لا نداجي، لا نداهن

لو تطلَّعت إلى الأسـ

ـواق، يا مستر كراين

إنَّ في السوق دكاكين

تجارٍ ومخازن

لكن التاجر لا تلـ

ــقى لديه من زبائن

وإذا عاد الجديد الـ

ـغضُّ بالتعطيل واهن

فمن المسؤول عن ذا

لك يا مستر كراين؟

والخبابيزُ تحوِّر

خبزها فوق البشاخن(5)

من خمير البُرِّ مطلو

عٌ من التنُّور ساخن

لا يُرى للخبز من يشـ

ـريه، يا مستر كراين

وإذا الخبَّاز أعطى

بائر الخبز الدواجن

أو رماه في براميـ

ـل قمامات المساكن

فمن المسؤول عن ذا

لك يا مستر كراين؟

خذ بقايا القول مني

إن هذا الأمر شاين

سمك الصافي على افنعـ

ـشر وهَمْ بيزات مامن(6)

وعلى آنة صغيرة

بلغت سوق الرباين(7)

والرطب غالي على آ

نة مثل سعر التواين(8)

وإذا الجوع سطا بالـ

ـضعف في وسط المصارن(8)

فمن المسؤول عن ذا

لك يا مستر كراين(9)؟

ومن شعره الهازل معارضًا إيليا أبو ماضي في قصدة الطلاسم:

جريشٌ ووشيش

ولقد قلت لنفسي

وأنا فوق العريش

أيُّما أحسن؟ أكلالـ

ـعيش أم أكل الجريش؟

فأجابتني وللضر

س صريرٌ ووشيش

كُلْ من المقسوم، إنِّي

عن سواه لست أدري (10)

حنين للغوص على اللؤلؤ

يراودني بعض العباقر عن شعري

ولم أدر يستطريه؟ أم هو يستزري

فقلت ووحي الشعر يلهم خاطري:

نسيجُ القوافي يبعث الشوق في صدري

بني وطني، أنتم نوابغ عصركم

بكم تتباهى الخط يا أنجمَ العصر

بني وطني أنتم رفعتم مكانتي

وأعليتم ذكري على مستوى قدري

بني وطنين إن كنت أخللت خلةً

فسترًا، فإن الله يهوى ذوي الستر

وإن لم تروا لي في القريض كفاءةً

فعذرًا, فإنِّي كنت في واسع العذر

سبحت بحار الشعر من غير موقفٍ

بساحل شطآن العروض على بحر

ولم أرتشف من ماء مزنة شاعرٍ

ولم أستفد نظم القصائد من شعري

فلا المتنبِّي ذقت عذب معينه

ولا بأبي تمام والبحتري أدري

ولا للمعرِّي سرت في سقط زنده

ولم أدر ما شوقي، ولم أدر ما صبري

أسيرِّ في بحر القصيد سفينتي

وسكانها ذوقي، ورُبَّانها فكري

أعوم بها في لجَّةٍ بعد لجَّةٍ

لعلّيَ أحظى بالثمين من الدرّ(11)

———–

([1])القطيف وأضواء على شعرها المعاصر، عبد العلي يوس آل سيف، مطابع الفرزدق، الرياض، الطبعة الأولى، 1406هـ 1985م، ص: 97.

([2])جهاد قلم في الصحافة والسير والأدب، السيد علي بن السيد باقر العوامي، جمعه وحرره ونضَده ووضع إضافاته وعلق عليه عدنان السيد محمد العوامي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ودار أطياف، القطيف، الطبعة الأولى، 1440هـ، 2019م، ص: 282.

([3])الدقل: الصاري، خشبة طويلة في وسط السفينة تحمل الشراع، فصيحة.

([4])ديوانه، مراجعة مصطفى الغلاييني، منشورات مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، طبعة 2014، ص: 631.

([5])تحوِّر: تدير بالمحور، آلة إسطوانية من خشب يمررها الخباز فوق العجين فينبسط، والبشاخن، جمع باشخون، وتعني: مائدة،  وهي مكونة من لفظتين، الأولى باش، وتعني رئيس، تركية، المصطلحات المتداولة في الدولة العثمانية، محمود عامر، مجلة دراسات تاريخية، جامعة دمشق، العددان  1117 – 118، كانون الثاني، حيزران، 2012م، ص: 367، والثانية: خوان، عربية دخلت الفارسية، المعجم الذهبي، د. محمد التونجي، المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق، ـوزيع دار الروضة بيروت، طيعة 1993م، ص: 273، والمعنى السائد يعني الطاولة التي يعمل عليها الخباز الخبز، وللسيد شبر القصاب رأي مطابق للمعني، وهو الطاولة أو المنسف الذي يعرض عليه الخبز.

([6])الصافي فصيلة من السمك معروفة، وهَمْ: عراقية تعني: أيضًا، كذلك، والبيزات، جمع بيزة، أصغر فئات الربية هندية كانت سائدة في الخليج، تعادل ربع آنة، و1 من 60 من الربية، ومامن: ما من شيء، والمعنى: لايوجد نقود.

([7])الآنة الصغير هي التي مر شرحها، أعلاه، والرباين، الربيان، سمك يشبه الدود، معروف.

([8])التين.

([9])المصارين.

([10])ديوان الكوفي، نشر مؤسسة الهداية، بيروت، الطبعة الأولى، 1423هـ، 2002م، ص: 267.

([11])ديوانه، نشر مؤسسة الهداية، بيروت، الطبعة الأولى، 1423هـ، 2002م.

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×