[ميناء القطيف 1] 49 عاماً بلا سفن ولا بضائع قصيدة شاعر تستذكر تاريخاً من استراحة الأشرعة

في الـ 29 من شهر صفر 1392هـ، الموافق 13 أبريل 1972؛ طُويت آخر صفحة من تاريخ ميناء القطيف، واستُغني عنه نهائياً. وبعد قرون طويلة من نشاطه الاقتصادي، وربطه شرقيّ الجزيرة العربية بموانيء الخليج والهند وما وراء البحار؛ انتقلت جميع مهامه التجارية إلى ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام.

وقد أثار هذا التغيّر حسّ الشاعر عبدالوهاب حسن المهدي، الذي كان موظفاً في الميناء، فكتب مرثية من الشعر في المعلم التاريخي.

الشاعر الباحث عدنان السيد محمد العوامي؛ استوقف القصيدة، بحسٍّ ثلاثيّ الأبعاد..

البعد الأول؛ هو شعوره تجاه الميناء التاريخي، فقد عمل فيه موظفاً أيضاً ردحاً من الزمن.

البعد الثاني هو وفاؤه لصديقه الشاعر الذي توفي في حادث مؤسف سنة 1406.

أما البعد الثالث فهو حسه التاريخي إزاء مسقط رأسه القطيف.

فكان ثمرة ذلك هذا البحث الذي تنشره “صُبرة” في حلقات للأستاذ العوامي الذي تتبّع موضوع الميناء تاريخياً وأدبياً.

[من أوراقي 1]

ميناء القطيف

مسيرة شعر وتاريخ

عدنان السيد محمد العوامي

جمرك القطيف المطل على الميناء قبل إزالته

مدخل

القصائد التي اشتمل عليها ديوان (بقايا الرماد) لم تكن كلَّ ما لملمتُه من بين رماد البيت الذي اختلط برماد صديقي الحميم عبد الوهاب حسن المهدي (رحمه الله)، وسخام أجساد زوجه وأطفاله، وأدبه ليلة أضرم القضاءُ لاهب سُعاره فيه، فَجْرَ السابع من صفر سنة 1406هـ، فالذي بقيَ بحوزتي أكثر، لكن مشاغل الزمن، وعواديَه – وإن كانت لا تشفع لي – صرفتني عن إظهار ما باقي منه، ومن بينه قصيدة: (ميناء القطيف).

الشاعر الراحل عبدالوهاب المهدي وأطفاله، وبعض أطفال عثمان أبو الليرات

وهي قصيدة لها سمة وثائقية مهمة، فميناء القطيف ميناء عريق عراقة القطيف نفسه، شهد همهمة القراصنة، ووطء أقدام اللصوص، وقعقعة سلاح الجبابرة الغزاة، وتصادت تحت قلوعه دندنات النَّهَّامين بالهولو واليامال، وشهيق أنفاس الغواصين، وزغردات الصبايا في مواكب الأعراس، بانطلاقاتها صوب ساحل الحسينيَّات على ساحل تاورت الغربي في طريقها البحري حاملة مباخر العود والعنبر، وطاقات الرازقي والريحان، وعطور (العبَايات والنفانيف) لتؤدِّيَ طقوسَ نذورها لله في مسجد الخضر.  

إذن لم يكن ضربًا من الخيال، ولا من الشوفينية المقيتة قول شاعرها الفحل عبد الله الجشي([i]):

هذي الشواطئُ وهي ماضٍ عامرٌ

مجداً، وآتٍ، بالمشيئةِ، أعمَر

ألقى عصاه على فسيح ضفافها

وعلى الجزائر عالَمٌ متحضِّر

وأقام فيها نهضةً عِلميَّةً

بالعلم تُسْنِدها العُقُولُ، وتَنصُر

وأذلَّت التيارَ تحت شراعها

فلها عليه تحكُّمٌ، وتأمُّرُ

فترى السفائنَ بالتوابل والحُلى

والعطر من بلد لآخر تمخر

شهدت مواني الهند خفْقَ قُلوعها

فكأنَّها، فوق المياه، الأنسُرُ

وشواطئ اليونان لم يبرح بها

من ذكريات سَفِينها ما يُسكِر

ولها على وادي الفُرات ودِجلةٍ

فضلُ المعلم، وهو فضلٌ يُشكر

وطوى الزمان سجلّها، وتعاقبت

من بعدها أممٌ طوتها الأعصر

الشاعر عبدالله الجشي

وهذا لا مبالغة فيه، فسواءٌ بنى الفينيقيون حضارتهم هنا، ثم نقلوها إلى سواحل الشام، كما يرى القائلون بهذا، ويضيف إليهم الكنعانيين والعمالقة والجرهائيين([ii])، أم إن تلك الأقوامَ جاءت بها من تلك الأصقاع، فالنتيجة هي عراقة هذا الميناء؛ إذ المعلوم أن أولئك الأقوام أهل زراعة، وتجارة وملاحة، ودليل وجودهم هنا وثَّقته التلال الدلمونية، والمعثورات المكتشفة في تاروت وجاوان والظهران وباربار وعالي وثاج([iii])، ولا مِراء في أنَّ الميناءَ من لوازم هذه النشاطات.

إذن ما رأي قارئيَ العزيز – قبل الولوج إلى القصيدةِ وصاحبِها  – أن آخذَه في جولة ألِمُّ فيها معه بنبذة عن الميناء، وأحواله عبر العصور، قد تكون مؤنسة، وقد لا تكون؟

لتكن البداية بتعريف المعروف، كما يقال في المثل، فالقطيفَ، أو (الخطَّ: الاسم المرادِف القديم) عَلَمٌ على المنطقة الساحلية المحدودة شمالاً بالبصرة، وجنوبًا بعُمانَ (عمان التاريخية تدخل فيها الإمارات العربية المتحدة)، وحدُّها الغربي الدرعية، الواقعة إلى الجنوب من أبقيق وغرب الظهران بميل إلى الجنوب([iv])، وفي بعض مراحل التاريخ عُرِفت باسم ثالث أوسع يشمل الأحساء واليمامة، ووبار، لكنه لا يدخل في غرض بحثنا، هو (هَجَر).

كذلك تشمل هذه المساحة الجغرافية جُزُرًا عامرةً مأهولة، بعضها أصبح دُولاً مستقلَّة كمملكة البحرين، أو تابعة لدول مثل تاروت، وجِنَة، والمسلَّميَّة، وكسكوس، والعماير، وفيلكا، وغيرها. ومن غير المتصوَّر استغناء هذه الرُّقعة الجغرافية الشاسعة عن ميناء يربط بين صحاريها، وسواحلها ومدنِها، وجزرها، فافتراضنا نشوء هذه الموانئ مع بدء الاستيطان البشري فيها ليس ضربًا من التمحُّل، ولا التنطُّع، وإذ لم يكن الغرض من هذه النبذة الغوصَ في أعماق التاريخ، فهذا له مكان آخر، أكتفي بذكر الفترات التي وردت فيها إشارات إلى إليه، أو تلميحات صريحة، أو ضمنية، أو تستنتج استنتاجًا صحيحًا:

حِقبة ما قبل الميلاد

في هذه الحِقبة تردنا إشارة يومئ بها ابن الأثير أنَّ أردشير بن بابك زحف على ساحل جزيرة العرب، واحتلها وبنى بها ثما ن مدن منها مدينة الخط([v])، والخط كهجر إقليمٌ وليس مدينة، كما لا يخفى، والأصوب أنه بنى مدينة في الخط.

في عهد سابور الثاني، تعبر مراكب إياد وعبد القيس إلى سواحل فارس وتَغلِب أهلَها على مواشيهم، ومعايشهم فترة من زمن، دون أن يعاقبهم أحد، لكنه حين بلغ أشده، حشد أساطيله، وعبر البحر إلى الخط، وأوقع ما أوقع من القتل الذريع في أهاليها، ومنها زحف على هجر([vi]).

العصر الجاهلي

أولى الإشارات لا تحتاج إلى توثيق لاشتهارها، فالجغرافيون العرب متفقون على أن نسبة الرماح إلى الخط، إنما هي نسبة صناعة وتثقيف، للرماح المجلوبة إليها من الهند، لا أنها تنبت فيها، فجلُبها من الهند بالسفن إلى ميناء القطيف لا مراء فيه.

ثاني الإشارات أومأ إليها الأدب؛ في أبيات من قصيدة للأعشى الكبير، مخضرم ( 0 0 0- 7هـ)، مطلعها([vii]):

نامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ اللَّيلَ مُرتَفِقا

أَرْعىٰ النُّجُومَ عَميداً مُثبَتاً أَرِقا

 جاء فيها:

وَجيدِ أَدماءَ لَم تُذْعَر فَرائِصُها

تَرعىٰ الأَراكَ تَعاطىٰ المَردَ وَالوَرَقا

وَكٰفَلٍ كَالنَقا مالَت جَوانِبُهُ

لَيسَت مِنَ الزُلِّ أَوراكاً وَما انتَطَقا

كَأَنَّها دُرَّةٌ زَهراءُ أَخرَجَها

غَوّاصُ دارينَ يَخشى دونَها الغَرَقا

فهنا غواص، لا غنىً له عن السفينة والمرفأ، ودارين فلذة من القطيف.

ومن أخرى مطلعها:

تَصابَيتَ أَم بانَت بِعَقلِكَ زَينَبُ

وَقَد جَعَلَ الوُدُّ الَّذي كاد يَذهَبُ

يقول فيها([viii]):

وَكَأسٍ كَعَينِ الديكِ باكَرتُ حَدَّها

بِفِتيانِ صِدقٍ وَالنَواقيسُ تُضرَبُ

سُلافٍ كَأَنَّ الزَعفَرانَ وَعَندَماً

يُصَفَّقُ في ناجودِها ثُمَّ تُقْطَبُ

لَها أَرَجٌ في البَيتِ عالٍ كَأَنَّما

أَلَمَّ بِهِ مِن تَجرِ دارينَ أَركَبُ([ix])

تجر دارين: تُجَّار دارين، لا يستغنون عن السفن، ولا عن الميناء الأم.

____________

([i])آثرت أن أنقل المقطع كما نشر أوَّلَ مرَّة في صوت البحرين، بالعدد 11، ذي القعدة 1370هـ، ص: 11، \بعنوان: (على شواطئ الخليج)، فالشاعر قد أبدل بعض الألفاظ، وحذف المقطع الأول ومعه بعض الأبيات عند إعادته نشرَه لدواع لا أراها وجيهة، مع كل التقدير والإجلال له (رحمه الله).

([ii])ساحل الذهب الأسود، محمد سعيد المسلم، نشر مكتبة الحياة، بيروت، 1962م، ص: 59 – 76.

([iii])looking for Dilmun, Geofrrey Bibby, Stacey international . London, 1970- 1996, P:235.

[iv]([iv])عنوان المجد في تاريخ نجد، عثمان بن بشر، حققه وعلق عليه عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز، الرياض،  الطبعة الرابعة، 1402هـ، 1982م، جـ2/296.

([v])الكامل في التاريخ، تأليف علي بن محمد بن عبد الكريم الشيباني (ابن الأثير)، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ، الطبعة الأولى 1407هـ، 1987م، جـ1/296.

([vi])نفسه، جـ1/302.

([vii])ديوانه، تحقيق الدكتور م، محمد حسين، نشر مكتبة الآداب بالجماميز، المطبعة النموذجية، مصر. د. ت، ص: 365 – 367.

([viii])نفسه، ص: 201 – 203.

([ix])الأركب:البعير إحدى ركبتيه أعظم من الأخرى. محيط المحيط.

‫3 تعليقات

  1. ياااااه .. معلومات عن جزء عزيز من وطني وكلها جديدة علي .. سلمكم الله ويحفظكم ، تحياتي للكاتب ولصحيفتكم

  2. ما شاء الله عليك يابن العم…… نظل في بحثك وقرائتك ….. كصيية…… في كتاتيب (المعلم)

  3. لا يزال هذا الشيخ العتيد أبو أحمد العوامي يثير الإعجاب بجلده ودأبه على البحث
    الأمنيات له بالصحة والعافية وطول العمر

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com