خُرافة: الصواعق تختار “أبكار” الأطفال.. فيُمنعون من المطر غاب العلم ففسّر الناس المجهول بالغيب

الجارودية: فاطمة المحسن

لم يكونوا يعرفون شيئاً عن قوانين الفيزياء، ولم يشرح لهم عارفٌ سبب إصابة الناس بصواعق السماء في وقت المطر. كلُّ ما لديهم قصصٌ تُروَى، وحوادثُ تُسرد تفاصيلها، عن فلّاح ضربته “صاقْعَهْ” من السماء وهو راكبٌ نخلة، أو طفل خسرته أمّه وهو يلهو في “حوي” البيت، أو في “براحة” الحيّ.. هكذا ماتوا..!

كان الفلّاح يحمل “منجلاً” حديدياً، راكباً النخلة عالية بواسطة “كر” جزءٌ منه حبلٌ من الفولاذ. يُسمّى “العظم”. أما الطفل؛ فكان لديه جزءٌ معدنيٌّ يلهو به في مكان مفتوح. لمثل هذه الأسباب تختار الصواعق الناس.. لكن أجيالاً متعاقبة منهم، لم يكونوا يعرفون هذه البديهة العلمية.. كانوا محاطين بتفسير المجهول تفسيراً غيبياً.. خرافياً..!

 صاعقة/ صاقْعهْ

تقول إحدى القصص إن فلّاحاً كان عائداً برفقة ابنه الصغير “البكر” من مزرعته في منطقة الرامس التابعة لقرية العوامية. في الطريق أصابت الصغير “صاقْعَهْ” وهو يمشي إلى جانب أبيه. مات الطفل بالصعقة القاتلة، وسلم الأب. ومثل هذه المأساة تكرّرت، في قرى أُخرى من القطيف، مع آحادٍ من الأطفال، لم يكونوا يفعلون شيئاً سوى اللعب. حصلوا على ميتات عنيفة، في حوادث اقترفتها الطبيعة العفوية.

 منشأ حقيقي

وعلى الرغم من أن هذه الحوادث حقيقية؛ فإن ما ليس حقيقياً هو تفسيرها بين الناس. الأطفال الذين ماتوا على هذه الشاكلة؛ كانوا أبكار آبائهم وأمّهاتهم. وقد يكون هذا حقيقياً أيضاً. لكن ما لا يمكن وصفه حقيقياً؛ هو أن “الصاقْعَهْ” تختار الأبكار دون سواهم من الأطفال. لكن ما شاء وارتقى إلى مستوى التصديق، عند الناس، هو هذا التفسير الذي جعل من الأمّهات والآباء أشدّ قلقاً على أطفالهم الأوائل، دون أخوتهم الآخرين.

 أُهزوجة

تحكمت هذه الخرافة بالمجتمع، وتحوّلت إلى هاجس يرى أن “المطْرَهْ تاخدْ اليهالْ”، والقصد أن تُصيبهم الصاعقة/ الصاقْعَهْ. وتطوّر الهاجس إلى أُهزوجة مطرية يردّدها الصغار وقت المطر:

مطرتْ المطْرَهْ

على شباب العطْرهْ

والعطْرَهْ ما تستاهلْ

تستاهلْ “…” ياهلْ

ولهذه الأهزوجة صيغة مختلفة تقول:

مطرت المطرهْ

على حبيبي قطرهْ

والقطرهْ ما تستاهل

تستاهلْ “…” ياهلْ

وما بين القوسين كلمة تعني فضلات بطن الطفل، ما يعني أن الأهزوجة القصيرة، تُحاول الهُزءَ من الصواعق التي تصاحب الرعد والمطر، فلا تراها تستحق أكثر من هذه الفضلات..! وتُنشد هذه الأهزوجة على لسان الأمّهات، بواسطة الأطفال أنفسهم.

أوجدت الخرافة لنفسها مواقع راسخة في قلوب الأمهات الخائفات. منشؤها الحقيقي زوّر تفسيرها غير الحقيقي، وبقيت متناقلة بين الأجيال، قصصاً وهازيجَ مصاحبة، تختلف باختلاف بيئة قرية عن بيئة قرية أُخرى واختلاف اللهجات.

صاگْعَهْ

كتب: محرر صُبرة

ينطق القطيفيون كلمة “صاعقة” مُبدلة، فيصير حرف القاف كافاً مخففة، كما تتبادل العين والقاف الموقعين. وفي النهاية؛ تُنتطق “صاگعَهْ”.

والكلمة كثيرة الاستعمال على ألسنة الناس، لكن في الغالب لا تُقصد الصاعقة، بل تعبيراً لمعانيَ أُخر.. مثل:

صاگعَه تصگعك: بقصد الدعاء على المعني، حسداً، أو دهشة أو استغراباً، أو استنكاراً.

ويش هالصّاگعَهْ: ما هذه الصاعقة، بمعنى: ما هذه المشكلة، بقصد السخط والغضب.

مصوگَعْ: أي أصابته صاعقة، تشبيهاً للمنفلت أو المتهور أو المرتبك.

صگعْ: بمعنى اصطدم أو ارتطم. وفي السنوات الأخيرة تُستخدم الكلمة في وصف حوادث المرور.

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com