الأسرة السعودية بين مسارين

محسن المرهون

من أفضل السمات التي تتمتع بها مجتمعاتنا العربية هي سمة التماسك والترابط الأسري، واستمرار الانتماء لهذا الكيان الصغير مدى الحياة، والشعور بالمسؤولية تجاهه بشكل دائم.

وتجد مظاهر هذه السمة بارزة وجلية في عدة ممارسات كالاهتمام بالوالدين وعدم ايداعهم لدور العجزة، والدعم المادي والنصح والإرشاد، والتزاور بين الفترة والأخرى، والاجتماعات الأسبوعية. طبعا لا أقول إنك ستجد كل هذه المظاهر في كل أسرة من أسرنا، لكني أقول أنها مظاهر شائعة في الأسر العربية عموما.

ونحن في المملكة العربية السعودية نعيش في أسر متماسكة إلى حد كبير رغم الهبوط الواضح في درجة ونسبة التماسك الذي كانت عليه في السابق. إنها لنعمة عظيمة تفتقر لها الكثير من المجتمعات حول العالم، وليس من الشائع أن تجد هذا المقدار من الاهتمام والشعور بالمسؤولية بين أفراد الأسرة الواحدة تجاه بعضهم البعض في بقية مجتمعات العالم. فكم وكم حدث أن تآزر أفراد أسرة سعودية لحل مشكلة عويصة ألمت بأحد أفرادها؟

لكن للأسف، هناك مشكلة!! مشكلة كبيرة جدا!!

مع تطور المجتمعات تبدأ الهوية الفردية بالظهور والتشكل شيئا فشيئا، ويصبح للفرد رغباته وحاجاته الخاصة المستقلة عن أسرته وربما مجتمعه، وهذه يمكن اعتبارها سنة اجتماعية حدثت تقريبا لكل المجتمعات التي انتقلت من مرحلة النمو لمرحلة التقدم، وهي تحدث الآن في المجتمعات العربية عموما وفي المجتمع السعودي على وجه الخصوص.

وهذه الظاهرة تعتبر سببا رئيسيا في حدوث التفكك الأسري، إذ إن التعارض بين متطلبات الانتماء للأسرة وبين الحاجات والطموحات الفردية في ظل تيار شديد السرعة يسير في اتجاه الاستقلال الفردي سيؤدي بلا شك لتفكك الأسر وانتهاء صلاحيتها، بشكل شائع وظاهر للعيان.

إذن من خلال تجارب المجتمعات الأخرى، ومن خلال مراقبة ما يحدث لنا الآن، نستطيع الاستنتاج أن تنامي الهوية الفردية أمر حتمي ولا بد منه، لكن التساؤل يكون في: هل أن التعارض بين متطلبات الانتماء الأسري وبين والهوية الفردية حتمي أيضًا؟

وهذا السؤال، معنيون كلنا بالإجابة عليه من خلال التفكير جديا في مسألة خلق الوفاق بين متطلبات الأسرة وبين حاجات الفرد، وكل أسرة ستعمل على خلق هذا الوفاق لا شك أنها ستكون قادرة على تجنب حدوث تلك الهوة اللعينة. وإذا شاع الوعي بأهمية الوفاق والمواءمة الفردية الأسرية، استطاع المجتمع أن يعبر هذه المرحلة بسلام، بأسر متماسكة وأفراد منتجين مستقلين بإرادتهم وطموحاتهم.

تتحقق هذه المواءمة بتخفيف الضغط والاجبار، وتنمية الوعي والشعور بالمسؤولية، بجعل الأسرة شبكة من العلاقات السليمة الدافئة التي يسودها التفاهم والمشورة، بجعل الفرد في الأسرة يلعب دوره بحب ورغبة لا بإجبار وإكراه، باحترام إرادة الآخر وإرادة الأبناء خصوصا.

إن لم يطور الكيان الأسري نفسه بهذا الشكل فمحال أن يصمد أمام كل هذه الظروف الداعمة للاستقلالية الفردية. ولقد شهدنا في الفترات الأخيرة حالات هروب فتيات سعوديات إلى خارج البلاد، وتعد هذه كارثة وتحتاج لدراسات من أجل معرفة أسباب كل حالة، ولكن بشكل عام لا بد أن موضوعنا الذي نحن بصدده سيكون حاضرا ضمن أهم الأسباب إن لم يكن أهمها على الإطلاق.

ولو أننا رجعنا لتعاليم الإسلام وتدبرناها لرأيناها تحث على المودة والوئام والحوار الهادئ، للتفاهم والاحترام. وهذا بالضبط ما نحتاجه.

لذلك نحن أمام مسارين يا سادة؛ إما البقاء على ما نحن عليه حتى نشهد بأم أعيننا – لا سمح الله – انهيار وتفكك الأسر وبالتالي شيوع حالة من الفوضى العارمة في أرجاء المجتمع ككل ، أو تدارك الحال والاستجابة لمتطلبات العصر وتفهم تطور الحياة وبث الروح الجديدة في الأسرة السعودية من أجل الحفاظ عليها ودعمها إلى ما شاء الله.

‫2 تعليقات

  1. اخسنت استاذ محسن

    لاينبغي اغفال كلا الجانبين سواء الفردي او الجماعي فالاسلام اعطى الحقوق للكل فقد بين الحقوق الفرديه والاجتماعيه
    ولكل حق اهميته في التنمية الاجتماعية
    اما استيراد الفردانية الغربية التي تتعارص مع الجماعية فهذا مرفوض وهو سبب هدم الغوائل والأسر
    وللأسف فإن الشباب قد اختلطت عليهم المصطلحات وانبهروا بها قبل فهمها ومعرفتها ومعرفة لوازمها وآثارها الايجابيه والسلبية والغرض من تشريع هكذا حقوق

    وفقك الله لكل خير

  2. وقعت على الجرح
    كمختص اتفق معك في البحث عن مخرج للتعارض بين الفردية وانصهار الذات في الأسرة
    وايضا نحتاج إلى التفكير في مشكلات غير تلك الأخلاقية فإذ تواصلت بنت مع رجل اكثر ما يقلق الأسرة هو الجانب الأخلاقي وتعقل الأسرة جوانب الاعتقادات والافكار والتوجهات والتحزبات وربما ليست الأسر او أغلبها على قدر من التأهيل لمناقشة مشكلات كبيرة كهذه

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com