“دِسْمال المُلّاية”.. آخر ما تبقّى من سيرة زهراء آل رقية عاشت 98 سنة وخرّجت أجيالاً من قارئات المجالس

عرفتها نساء شمال القطيف بـ "أم عَبِدْ" و "ازْهُوري" و "الحَبُّوبة"

القطيف: ليلى العوامي

كلُّ شيء في الغرفة الصغيرة؛ يُشير إلى سيرة حياة من ذلك النوع لم يعد موجوداً في القطيف. رفوف قليلة عليها كتب “مجاميع” مُحبّرة بخط اليد، منديل “رومال ـ دسمال” في حضنه عدة “مُلّاية”، راديو صغير، ساعة حائط، دولاب ملابس “الهاشمي” وسراويل “البنجابي”، مجلس بسيط بـ “مساند” قطن، جدران عُلّقت عليها صور.. كل ذلك إلى جانب سرير..!

إنه العالم الصغير الذي أمضت فيه السيدة زهراء ناصر آل رقية سنوات حياتها الأخيرة. إنها المرأة التي عرفها مجتمع شمال مدينة القطيف بـ “الحبُّوبة” و “زهوري”، في تدليل لاحق اسمها منذ أن لمعت في مجالس “الحسين” النسائية، وتخرجت على يديها أجيال متعاقبة من “مُلّايات” القطيف..!

في اليوم الـ 29 من شهر رمضان الفائت؛ غادرت السيدة زهراء غرفتها إلى غرفة أصغر من العالم الآخر، بعد 98 سنة عاشتها ما بين آلامٍ وآمال، بدأت بفقد زوجها، وقبل ذلك فقد 6 بطون من أبنائها وبناتها.. في حين عاشت لها آمال في 3 أولاد وابنتين.

من بيئة المعلّمات

قبل عام 1379؛ كان حظّ المرأة من التعليم في القطيف محدوداً، وضمن نظام “المعلّمات”. كلُّ ما تحصل عليه الفتاة هو الذهاب إلى “معلمة” وقراءة القرآن والقراءة، فإذا أرادات الاستزادة حصلت على تعلّم “الخَط”، أي الكتابة. قد يتطوّر تعليمها بعد “ختم القرآن”، فتدخل في سلك “الُملّايات”، وهن المتخصصات في “القراءة الحسينية” النسائية. وتعني كلمة “القراءة” ـ هنا ـ مهنة إقامة مجالس العزاء والمواليد الخاصة بالنبي وأهل البيت، وكذلك مجالس التعزية المتصلة بوَفَيات الناس.  

وقد تتحوّل إلى “معلمة” جديدة، وقد تجمع المهنتين “التعليم” و “القراءة”، أو تمارس نشاطاً وعظياً أو إرشادياً في مجتمع النساء المغلق. وقد جاءت السيدة زهراء آل رقية من هذه البيئة.

جيل الملّايات

تنتمي السيدة زهراء آل رقية إلى جيل “الملّايات” القديمات في القطيف. شغلت “القراءة الحسينية” اهتمامها بعد دخولها “المعلّم”، ونجاحها في فكّ الحروف في سن الـ 12. وهو العمر الذي تزوجت فيه من الحاج علي المعلم. في المعلم درست القرآن الكريم والقراءة فقط، ولم تتعلّم الكتابة قط. لكنها اتّجهت إلى سلك ما يُعرف في القطيف بـ “القراءة الحسينية”، وهي مهنة الوعظ والعزاء النسائية. تدرّبت على أيدي “مُلّايات” أخريات في العوامية والبحاري والقديح والدبيبية. وشيئاً فشيئاً؛ أتقنت الطرق المتبعة، فصارت “مُلايةً” مستقلة بمجالسها.

خطيبة بارعة

عُوملت السيدة زهراء في مجتمع نساء القطيف؛ كـ “خطيبة” بارعة، وعاصرت خطيبات أخريات من جيلها نفسه، منهنّ: “أم سيد” ماجد خديجة بنت ملا رضي الحداد، وزاهي القطري، وبلقيس بنت سيد هاشم. ولكل منهنّ مجالسهنّ المعروفة، ومن مجالسها: ومأتم بيت منسي، ومأتم بيت حكروه، وبيت أم سيد نجيب، وبعدها أصبح مجلسها خاصاً بها في منزلها.

سكنت حي المدارس بداية زواجها، وأنجبت أبناءها جميعهم في الحي نفسه، وبعد ذلك انتقلت الى حي الجراري، وانجبت فيه ابنتها بدرية.

كان زوجها الحاج علي حسن المعلم يعمل في نقل البضائع القادمة إلى فرضة القطيف، ومنها إلى التجار، قبل إلغاء الميناء التجاري وانتقاله مهامه إلى ميناء الدمام.

بدأت من القرآن

وتخبرنا ابنتها “بدرية” أن والدتها، السيدة زهراء، أرادت أن تتعلم الكتابة والقراءة معاً، لكن زوجها ـ الحاج المعلم ـ قال لها أن تكتفي بتعلم القراءة وترك الكتابة. وتذكر بدرية أن أول اسم كتبته أمها كان “عائشة”، ولكن حب القراءة أخذ منها تعلم الكتابة فلم تستمر على ذلك.

كان من شغفها وحبها للقراءة أنها كانت تخرج من المنزل وتذهب إلى العوامية مشياً على الأقدام لتتعلم قراءة القرآن والخطابة على يد نسائها الشهيرات. وبالمثل البحاري والقديح والدبيبية. كانت تكافح من أجل أن تتعلم.

كتب العزايا

ابنتها زهراء المعلم خطيبة أيضاً. وقد تعلمت علي يديها وحفظت القرآن كوالدتها.. تقول “اهتمت أمي  بقراءة كتاب “شعلات الأحزان” و “الجمرات الودية” للملا عطية الجمري، بالإضافة إلى “الزفرات والعبرات” و “اللطميات”، وكلها في أهل البيت و كانت تحفظ الأشعار عن ظهر قلب”.

تضيف المعلم في وصف والدتها “حينما كانت تقرأ مستهل القصيدة ولا يعجبها كانت تأخذ مستهل القصيد وتستخرج مستهلاً آخر شجياً يناسبها، فتقرأه بصوتها وبأسلوبها.. كانت دائما تردد قصائد أهل البيت حتى وهي تطبخ أو تغسل الصحون أو تعمل أي عمل آخر من شؤون المنزل.  حياتها كانت حباً وعشقاً لأهل البيت، عليهم السلام.

رحلات دينية

بلغ حبّها للنبي وأهل البيت إلى حدّ تكرار زيارتهم بلا توقف على امتداد حياتها. كانت تُكثر من زيارة المدينة المنورة. كما كانت تُكثر من زيارة كربلاء والنجف في العراق، حسب كلام ابنتها زهراء المعلم التي تضيف “كانت أمي تذهب إلى العراق وتجلس بالسنوات (تُجاور) في الماضي. وقد أدركت طرق السفر القديمة إلى العراق التي كانت تنطلق من ميناء الدمام وصولاً إلى ميناء البصرة، ومنها تستقل القطار إلى الحلة، ثم بالسيارة إلى مدينة كربلاء”.

تضيف أيضاً “وكانت رحلاتها السنوية للحج منذ أن كانت صغيرة. كانت تجعل كل حجاتها بعد الحجة الواجبة نيابة عن المؤمنين والمؤمنات في كل مكان. لم تذهب لنفسها أبدأ وإذا لم تستطع الذهاب بنفسه؛ فإنها تطلب من زوجها أن يذهب وتعطيه قيمة الحجة كاملة، ليس لأنه لا يملك المال لا بل لأنها تريد أن تخرج العمل منها شخصياً”

عادات صارمة

كانت لديها عاداتها الصارمة، من بينها الحفاظ على النعمة. كانت تقبل بتناول الطعام “البايت” ولا ترميه مع النفايات. وفي سلوكها العبادي كانت تحرص على رحلة قرآنية كل شهر، فتختمه مراتٍ عديدة، وتهب ثوابه للمنقطعين الذين لا ولد لهم. وكانت تُكرر قولها “هؤلاء لا أحد لهم، علينا أن نكون عوناً لهم في الآخرة كما كنا في الدنيا”.

وتشير إحدى تلميذاتها “اوْلَيداتها” إلى دقتها في التعليم.. تقول “كانت تتبعنا ونحن نقرأ الخطب والقصائد، وتراجع لنا نحوياً ولفظياً. فإذا القارئة كسرت الكلمة المرفوعة؛ فإنها ترد عليها “عيديها وارفعيها”. وإذ لاحظت إحدى القارئات تركت عبارة أو كلمة؛ فإنها تطلب منها الرجوع والانتباه”.

تضيف “قوية الملاحظة للغاية تعرف مواقع الأبيات وفي أي الكتب وأي الصفحات وأي الأسطر. كانت خبيرة باللغة العربية والشعر. وحينما تعبت وضعف سمعها كانت تراقب شفاهنا ونحن نقرأ وتعرف أيضاً إذا خطأنا، وتطلب منا أن نصحح.. نأتي إلى مجلسها وكل واحدة منا تعرف مكانها أين يكون وماذا ستقرأ بالترتيب. تسلمنا مهام القراءة المعروفة يومياً ولا تفضل واحدة منا على الأخرى.. جميعنا سواسية في مجلسها. وإذا سألتها امرأة عن كتاب من كتبها تقول لها: اذهبي للدولاب الفلاني، الرف الفلاني، الكتاب ترتيبه كذا”..!

حافظة أمثال

وإلى جانب معرفتها بالشعر والأدب، بالذات المرتبط بالنبي وأهل البيت، كانت عارفة بالأمثال الشعبية، مثل أبناء جيلها، وكانت الأمثال تجري على لسانها بشكل عفوي. وتخبرنا بدرية ابنتها أن أكثر الأمثال تكراراً على لسانها شطر البيت الشعبي القائل “من باع دّرٍّعلى فحّام ضيعهُ”، خاصة حين تلاحظ من ينصرف عن حديثها وينشغل جانبياً..

ومن عباراتها المكررة “لاتجعليه يخرج ويترك لك ذنوبه”.. تقولها في إكرام الضيف.. ومنها “ضع يدك على ركبتيك واشهد على والديك”.. في مقام الشهادة بالحق وترك الباطل مهما كلف الأمر.

صرامة

حياتها الصارمة ارتبط بنظام تعبُّد مستمرٌّ، فكانت حريصة على الأعمال اليومية من تسبيح وقراءة أدعية وصلوات النوافل، خاصة في شهر رمضان. وعلى مدار العام حرصت على صيام الاثنين والخميس والجمعة من كل أسبوع. وكان منزلها مفتوحاً في نهار شهر رمضان لتعليم القرآن الكريم للصغار والكبار.

وصيتها

وتقول ابنتها بدرية أنها قبل مماتها أوصتها بأن لا تترك الأعمال المهداة إلى أجدادها وجداتها وزوجها وأخيها الذي توفى وهو صغير. كما أوصتها بصلة الأرحام، وأن لا تتوانى عن أداء الصلاة، وأوصتها بأن تستمر في إقامة المأتم الحسيني وتستمر عليه.

شهادات

حفيدتها رقية الناصر:

خسرنا جدة وأماً من الجنة. كنا نشعر معها بأننا مع شخص غير عادي، لا تحب الخطأ ولا ترضى به، وتحب الحق حتى وإن كان يحزن. منذ أن رأيتها وعرفتها لم أرها إلا وقد فرشت مصلاها وتنتظر الأذان حتى تبدأ كانت تتعجب كيف نصلي فقط الصلاة الواجبة ونترك المستحبات.

كنا صغاراً وكنا نرى غضبها، غير انها صارمة، وحين بلغ منا العمر مبلغ الرشد وفهمنا نهجها وتقبلنا الأمر بكل رحابة صدر.

فتحية الجامد:

علمتنا كيف نجعل حياتنا سعيدة وكيف نربي ابناءنا. أتذكر كنت في احد الأيام ذاهبة لمنزلهم مع أولادي، وكنت أحمل صغيرهم على يدي فقالت لي: اتركيه في الأرض فالأرض تربي. وفعلاً كنت أسمع كلامها. وكان لها دور كبير فيما نحن عليه اليوم.

تنفرد ببناتنا دائماً وتخاطبهم بأسلوب حانٍ “يا بناتي تعلمن الطبخ.. وخاصة اللقمة المَوْمِلْحَة.. اذا وحده عرست وهي ما اتعرف اتسوي اللقمة ويش خانتها..؟ يعني التي لا تستطيع طبخ الرز الأبيض لا فائدة منها.

رباب الماجد:

عرفناها ذات هيبة.. كنا إذا جلسنا معها نشعر بأننا نجلس مع فاهمة ماذا تقول، وتجيب عن كل الأسئلة التي نسألها إياها. وإذا لم نفهم كانت تعيد لنا حتى نفهم، ولا يهمها من هو الشخص الذي أمامها بكثر ما كانت تهتم بتقديم ما يريده هذا الشخص.

باسلة العصفور:

أذكر قصة تعلمي الصلاة بإتقان.. كنت أذا أقمت للصلاة ورأتني أصلي تراقبني، وإذا انتهيت تقول لي ما بالك انتهيت من الصلاة…؟ من يلاحقك…؟ أنت لم تصلي جيداً ارجعي وأعيديها بصوت مسموع، وأوافق وأعيدها، وهي تستمع وتصحح لي، واذا انتهيتُ تقول لي وبإشارة من اصبعها: إلا الصلاه يا بنتي…!

 

تعليق واحد

  1. اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وفرجنا بهم ياكريم
    اللهم أرحمها برحمتك الواسعة وأسكنها فسيح جناتك وألهم ذويها الصبر والسلوان إنا لله وإنا إليه راجعون
    أمي أم الدنيا يامن أسكنتني بقلبها قبل بيتها وضمتني بصدرها الحنون وغمرتني بحنانها وعطفها عليّ
    لم أشعر ولم أحس بالغربه بينهم بل أنتميت لهم
    واآسفاه على فقدها ?????
    ماذا أقول …ماذا أقول?????صدمني خبر رحيلها

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com