[شعر] المحسن يستحضر روح “الخطي” ويهجو “جوقة الفرّارين” و “الشعراء النجّارين” مطوّلة شعرية في ذكرى مرور 4 قرون على رحيل "أبي البحر"

صُبرة: خاص

في قصيدة مطوّلة من 52 بيتاً؛ يستحضر الشاعر أمجد المحسن روح الشاعر أبي البحر الخطي، مُسقطاً سيرة الشاعر القطيفي الذي عاش بين القرنين الهجريين العاشر والحادي عشر على الواقع الراهن، في رؤية شعرٍ خاصة.

الشاعر المحسن أعدّ القصيدة تكريماً لذكرى مرور 4 قرون على رحيل الخطي، وجعل منها منصّةً لإشارات كثيرة تمس الحاضر المعيش، متّخذاً من تفاصيل حياة الشاعر القديم وأفكاره معابر لأفكار جديدة أراد المحسن تسريبها إلى القاريء المعاصر ببراعة شاعرٍ يطوّع معرفته التاريخية، ومعرفته الخاصة بالشاعر، من أجل إعلان سلسلة من المواقف الخاصة على صعيد السياسة والأدب والاجتماع في آنٍ معاً.

فضلاً عن ذلك؛ يستحضر الشاعر المحسن القطيف، بيئةً ومكاناً وإنساناً، بوصف كذلك خلفية لحياة الشاعر الخطي الذي وُلد في قرية التوبي الريفية، ثم هاجر إلى البحرين، ومنها إلى بلاد فارس، حيث اختتم سيرة حياته سنة 1028هج، مفضياً إلى غيبة كُبرى. ومن أجل تصوير ذلك؛ يتحسّر المحسن على روح العربيّ القطيفي الذي مات غريباً:

مـاذا علـى عربـــيٍّ مـات مُغـتـربـاً

لـو أنَّــــهُ نـامَ تــحت اللوزِ والرُّطَبِ؟

ومن ثم يصرخ ناصحاً، وكأنه يقرأ الحاضر:

أنعِـــمْ بجوقـــةِ فــــرَّارِيـنَ، ليسَ لهمْ

في الكرِّ من نَسَبٍ يُــدعـــى ولا حَسَبِ

ماذا فعلتُمْ؟ دفعتـــُمْ ذا بحيلـــةِ ذا؟

فعلَ الغريـــقِ على طَوْفٍ مِن الكَـذِبِ

لا الفُرسُ لا الرّومُ مهتمُّــــونَ لو أحــدٌ

هَـــوى على ظَــمإٍ يُــردِيـــهِ أو نَــصَــبِ 

ومثلما يتخذ موقفاً من “جوقة الفرارين”؛ يُعلن المحسن موقفاً آخر من “الشعراء النجارين”:

إيهٍ أبا البحرِ، كيفَ الشِّعرُ والشُّعَـــرا؟

وما هو الشِّعـــرُ بينَ الكَشْفِ والحُجُبِ؟

ما زالَ حِـــرفــةَ نجـَّاريــنَ، يُقنِعُــهُـمْ

ما يطلُبُ النَّاسُ فاحتالوا على الخَشَـبِ!

القصيدة فارهةً برؤيتها وعاطفتها ومواقفها، وعلى الرغم من طولها النسبي؛ حافظ الشاعر المحسن على تماسكها من مطلعها حتى ختامها، في قوة تعبيرية جديرة بالإعجاب..

وإليكم القصيدة كاملة..

وزْنُ قصيدةٍ على بحر أبي البحر الخطِّي

في ذكرى مرور 400 عام على وفاته

1618/1619 م

أمجد المحسن

يا قنْدَ شِيـــرازَ ما أخبـارُهُ ابنُ أبـــي؟

أفضى لِغيبَـــتِه الكُبـــــرى ولم يغِـــبِ

لاميَّـةُ العـــجَمِ الْ لـمَّـا تـــزوَّجــهـا،

لم تُـنْـــسِـــهِ أبــــداً لامـيَّــةَ الــعَـــرَبِ

لم يُنسِــهِ عَـبَثُ ” الــدّوبــيــتِ ” قافــيَــةً

يكــيلُهـا العَـــرَبُ الأقحـاحُ بالـذّهَــبِ

وأيـنَ قبــرُ أبي حسَّـانَ؟، هلْ درَسَتْ

طريقُهُ، واختفى مِن كثرةِ الـعُشُبِ؟!

مـاذا علـى عربـــيٍّ مـات مُغـتـربـاً

لـو أنَّــــهُ نـامَ تــحت اللوزِ والرُّطَبِ؟

حدِّثْ أبا البحـرِ، هَـجْــرٌ لا جميلَ بـــه

هجرْتَ، أم هو وصلُ الغيثِ لِلْقِرَبِ؟!

أعــرَبْـتَ ما تحتَــهُ خَـــطٌّ فأعــجَـــمَــهُ

رأيٌ يرى أنَّ كُـــلَّ الرَّأيِ فـي الـهَرَبِ

أنعِـــمْ بجوقـــةِ فــــرَّارِيـنَ، ليسَ لهمْ

في الكرِّ من نَسَبٍ يُــدعـــى ولا حَسَبِ

ماذا فعلتُمْ؟ دفعتـــُمْ ذا بحيلـــةِ ذا؟

فعلَ الغريـــقِ على طَوْفٍ مِن الكَـذِبِ

لا الفُرسُ لا الرّومُ مهتمُّــــونَ لو أحــدٌ

هَـــوى على ظَــمإٍ يُــردِيـــهِ أو نَــصَــبِ 

لا “الإنــكــشـاريُّ” مأمونٌ برايــــتـِهِ

ولا “القِزِلْباشُ” مأمـــونونَ في الغَــلَــبِ

مـا كانَ للصّفـــــويِّــيــنَ البُغـاةِ يـــدٌ

بيضـاءُ، لا لِذَوي قُربــى ولا جُــنُــبِ

ولا الذي استَمطــرَ التُّركَ ارْتــوى بهِــمُ

هل تطلُبُ الغيثَ من غازٍ ومُغْتَصِبِ؟!

و الخـَـطُّ لا فارســــيٌّ كي تُتـَرجِـــمَهُ

لكــنَّــهُ عـــربــيُّ الحِبـــــرِ والـقَـصَــبِ

تقطَّعتْ صلـةُ الأشــــجـارِ بــينكمـا

وما القطــيفُ سِوى قَطْــعٍ من الـعِنَــبِ

وهل تعودُ عـــنـاقـــيدٌ لِكَــرْمَـتــِهـا

وقدْ عُصِرْنَ، مُعـادَ الغيثِ للسُّحُبِ؟

يقولُ: لاحــــقْــتُ ظــلاً أستريحُ لــهُ

ورحتُ أجنــــحُ من قفرٍ إلـى رَطِــبِ

كم سائلٍ: مرحباً، مِن أينَ؟، قلتُ لهُ:

إلى قصيدةِ شِعــــري ينتهي نسَبــي

إيهٍ أبا البحرِ، كيفَ الشِّعرُ والشُّعَـــرا؟

وما هو الشِّعـــرُ بينَ الكَشْفِ والحُجُبِ؟

ما زالَ حِـــرفــةَ نجـَّاريــنَ، يُقنِعُــهُـمْ

ما يطلُبُ النَّاسُ فاحتالوا على الخَشَـبِ!

قالَ: الحقيقةُ لا أدري!، تطــوَّح بـي

شيطانُهُ، قلتُ: يا شيطانُ ما لَكَ بي؟

يا فألَ نرْديَ فـي طيشـي وفي شَغبـــي

يا شيبةَ الحمـــدِ بـــي يا عـــبدَ مطَّــلِبــي

يُجـيـبُــنـي كلَّمـا أمــعــنــتُ في هَــرَبي

ناديتُــهُ: لا تُجبني بعـــــدُ، لم يُجِــبِ!

وما القــصيـــدةُ إلا شرْطُ صـاحِبهـا

وغُرْفـــةُ السِّرِّ فيهـا غُرْفــــةُ الَّلـعِبِ!

لِي سِــدْرةٌ جَــدَّةٌ غـادَرْتُ ظُلَّـتـهـا

فهل سَتَغْـفِــرُ لي “التُّــوبي ” ولم أتُبِ؟!

يَـدانِ بـالأخـضَـرِ الرَّيحـانِ خُضِّبَتـا

فَـمَـنْ لِـذِي سَهـَــرٍ بالشَّــوقِ مُختَـضِبِ؟

آليـتُ أُوفــي عُهودَ العشــقِ أجمَعــهـا

وربِّ سيهاتَ!، من شِعري ومن أدبــي

خرجـتُ أنحــــو أَوَالاً أوَّلاً، وَجَـدَتْ

معـادنـــي تُـــــربةً قُدســـيَّةَ التُّـــرُبِ

أرى أحبَّـايَ في كلِّ الوجــوهِ هُــنـا

والشِّعرُ في النّاسِ، ليسَ الشِّعرُ في الكُتُبِ

أوالُ يا نجمةَ البحرِ المُحيطـــــــةَ بـــي

قلبــي الأَوَالـيُّ يحـــدو بي ويجنحُ بي

بكِ اهتدَى ألــفُ رُبَّــانٍ لِغـايـــتـــِهِ

ومن خريطتُــهُ البحـــــــرينُ لم يـَخِــبِ

إنْ أوشَكَتْ غايةٌ ما أو شَكَــتْ لُـغَـــةٌ

كِفـايـــةً قلتُ: يا بحريـنُ فانْكتِــبـي !

أليسَ دلمونُ فِــرْدوس الدّهورِ بهـا؟

عَدْنُ الكلامِ الذي مـا زالَ بعدُ صَبي؟

رُوحي على قُضُبِ اللوزِ، استجرتُ بــه

من اغترابي وما أجْري سِـــوى قُضُــبِ 

وقُبــَّـةُ الظلِّ مــن نخــــلٍ تُعلِّـــلُـنــي

وكم تُفـــرِّجُ كَـرْبـاً نــخلـــةُ الكَـــرَبِ

فرَرْتُ من فقه تفتيتِ الظــلالِ، ومـا

نحــوتُ نحــويَ إلا بــــي فــوا عـَجَــبـي

يا أنتَ هـا نخـلـــةٌ لا تنْــسَ جَلْوتَهـا

واسجــــُدْ لربِّ النَّخيلِ الهِـيفِ واقترِبِ

أمَّـا النّخــيلُ التي لا شيءَ في يدهِـا

إنْ لم يعُدْ رُطَــبٌ فيهـا، فَمِنْ جَـذَبِ!

والآن مُغْــتَــرَبــي، ربّــيـــتُـــهُ وَ رَبـا

بي، شبَّ عن طَوقِه، يا رَبُّ كيفَ رَبِي؟

كُنِّيتُ بالبحرِ إذْ لــمَّـا اعْـتصمـتُ بـهِ

صِرتُ ابنَـهُ وأبـاهُ، ابـنــي وصارَ أبــي

حتى عُرِفتُ به، حتـــى تقمَّصَنـــي

يا كُنْيَتـــــي حين لا أكنَى ويا لَـقـبــي 

حتَّى تقمَّصْتُـــــهُ إذْ صِـرْتُــــهُ، وإذَا

بنـفسِهِ هــي نفسي، حكـمتـي، غَضَبي

لما السُّبيطـــــيَّةُ الجنِّــــيَّــــةُ اتَّخـَذَتْ

دمي وشاحـاً، ولم أركــنْ إلــى عتَــبِ

فإنّـــمـا البحـــرُ نفـسي في رياضَتهـا:

أنِ انْتبِهْ!، أنا طبّــِي منكَ أو عَطَبـي!

إنْ تستَهِنْ بسُبيـطِــــــيٍّ فلــيس ســوى

ما مزَّقَ السّمَكُ العفــريتُ مــن إِرَبِ!

بُنيَّ ما لَكَ؟، قال: الأرضُ مِزْوَلتـي

منها إليهـا قـــياسُ العــرضِ والطَّــلَــبِ

مـَـن ذا يُقـاسِـمُــنــي تغـريــبتــي فأنـا

مموَّجُ الرُّوح بيــن الصّمـــتِ والصَّخَـبِ

يا بحرُ يا ابنــيَ، ولو تدري الذي مُلئتْ

به حقـائبُ سـفَّـانـــيـــنَ من حِقَـبِ

هاتِ البداياتِ، محتاجُـــونَ زهــوتَهـا

لنستعيــــــنَ على أيَّامــــنـا العَـجَــبِ

أوصيكَ كُنْ عربيّـاً كيفمـا اتَّجــهـتْ

مراكِبٌ، لاتُفَـــرْسَــنْ أيُّها العَــربي..

أمَّا الحَنيـــــنُ فغنَّـتْنـــي حمائِـــمُـــهُ

وكمْ أعانتْ غريــبـاً سَلْــــوةُ الطَّـــرَبِ

وإنَّ مُختلفـاً لا شــــكَّ مُغْتَــــــرِبٌ

وهل رأيتَ انزياحـاً غــيـرَ مُـغتــَرِبِ؟

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com