[الإبداع والنقد 4] لنتخيل: النقد بصفته سؤالاً والإبداع بصفته جواباً

محمد الحميدي

   بين الناقد والمبدع، ثمة صورة يتناوبان عليها، يرسم المبدع الصورة في فضائه الخاص، مستمدا مادتها من الفضاء العام لحياته، أو من مخيلته، أو من الأحداث التي مرت على ذهنه، أو التقطها بحاسة من حواسه، أو ربما عبر خياله الخصب وهو يقوده ناحية إكمال ما تجيش به نفسه الحساسة، التواقة إلى كسر الجمود والنمطية، والناقد إذ ذاك يمارس عمله في مراقبة الصورة وقراءتها واكتشاف مميزاتها وعيوبها وتنبيه المبدع إلى ما غفل عنه أو تجاوزه أو سقط سهوا دون علمه.

ولأن الصورة هي محور العملية الإبداعية والنقدية فإنها تنطرح أمامنا على شكلين، الأول بصفته إجابة على استفسارات العالم والثاني بصفته سؤالا على تلك الإجابة التي جاءت، ومن هنا تأتي أهمية النقد للإبداع، فعملية السؤال والإجابة لا تقتصر على وقت محدد أو ناحية دون أخرى، ولكنها تتناوب فيما بينهما، فالإجابة اليوم تتحول إلى سؤال غدا والسؤال يتحول إلى إجابة بعد غدٍ وهكذا.

   أما من هو الذي يطرح السؤال ومن هو الذي يجيب، فكأننا نعود إلى قضية البيضة والدجاجة أيهما يسبق الآخر؟ في الحوار الفلسفي الذي لا ينتهي، ولعل أدق إجابة يمكن الحصول عليها هي أن الدجاجة والبيضة وجدتا في وقت واحد، فالدجاجة مارست عملها في إنتاج البيض، وكذلك البيضة فقست لتكون دجاجة، ومن ثم تبيض ثانية وثالثة، وهذه الرؤية للبيضة والدجاجة يمكن تطبيقها على السؤال والإجابة لدى المبدع والناقد، فكلاهما قد ولدا في لحظة واحدة، ووجدا معا، وكلاهما واصلا السير فيما بعد، وإن اختص المبدع بالخلق الفني أو ببناء الصورة، واختص الناقد بتحليلها والعمل على بيان تفردها وتميزها عن صور المبدعين الآخرين، ومنذ ذلك اليوم السؤال والإجابة متتابعان.

   ثنائية الإجابة والسؤال لو أردنا اختبارها ووضعها على المحك فسيكون لزاما علينا أن نكتشف الآفاق التي تفتحها عبر أمثلة محددة، نتوصل من خلالها إلى أن هذه الثنائية كان لها دور فاعل في التطور والتقدم الحضاري والثقافي، فيكفي أن أشير إلى بعض الحوادث الصغيرة والتي تبدو عند النظر كأنها لا تربطها علاقة بما حولها، لنستنتج مقدار تأثيرها على الإنسان؛ مثل حادثة تفاحة نيوتن المشهورة والتي لولاها لما افتتحنا عصر الفيزياء ولظللنا على حالنا ألف سنة أخرى، فسقوط التفاحة لم يكن سوى بداية سؤال، وإجابته كانت قانون الجاذبية، أما إجابة قانون الجاذبية فكانت سؤال ارتياد الفضاء والوصول إلى القمر، وكذلك الحال مع أرخميدس حينما غمر جسده بالماء ووجده فاض عن حافة الحوض فاكتشف بأن كتلة الجسم تزيح مقدارا مساويا من الماء، وخرج مسرعا إلى الحاكم وهو يقول يوريكا أو وجدتها.

   في مجالات الفنون والآداب ثمة أسئلة وإجابات كذلك، فالرومانسية أو الرومانتيكية جاءت سؤالا في البداية على الكلاسيكية وما رافقها من تمجيد للقيم العامة والأخلاقية، والسؤال كان عن (أنا) المبدع، أين موقعها في الآداب والفنون والحياة عموما؟ ومن ثم تحول السؤال إلى إجابة فيما بعد، حينما أعقبت الرومانسية الكلاسيكية واتخذت من الفرد ومشاعره الأساس في التعبير، إلى أن وصلنا ناحية الديكتاتورية أو تمجيد الفرد المطلق، الذي يمكن التمثيل له هنا بهتلر النازي، فحدثت الحرب العالمية الثانية التي أبادت الملايين، أما نواتج الحرب فهي التشرد والدمار والمآسي والفقر والجوع والخوف والهروب، ورافقها استنكار المجازر واستنكار تمجيد الفرد على حساب المجموعة، وهنا انطرح السؤال على الرومانسية المغرقة في الخيالات: أين هو واقع الناس الحقيقي في الفن والأدب؟ أو لنكن أكثر دقة فنقول: أين هم (أي الناس والمجتمع والآخرون) في الآداب والفنون والحياة؟ أما الإجابة فكانت تأسيس المذهب الواقعي وانتشاره على حساب الرومانسي في الكثير من الأرجاء.

   الإجابة والسؤال ليسا خاصين بالأدب والفن، بل يشملان كذلك العلوم والمعارف، وربما نضيف بأنهما يشملان جميع مناحي الحياة، وختاما؛ لنتخيل قليلا .. ماذا كان سيحل بالعالم لولا وجود ثنائية السؤال والإجابة؟

أترك لكم الإجابة

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com