تويتر.. على رواية ابن عباس جاء مبشراً بالحوار؛ فإذا هو منصة للتافهين

أثير السادة

لو شرعت بتقليب كتاب الناقد الصديق “محمد العباس” المعنون “تويتر.. مسرح القسوة” مبتدئا من غلافه الخلفي لوجدت في المقطع القصير المدرج فيه خلاصة الإصدار، ولاهتديت لمزاج ناقدنا وهو يحيل شعوره بالخيبة مما يعده “مكتسبا انسانيا” إلى نصوص في الهجاء للذين جعلوا من حرية الكلام ضربا من العبث، فالكتاب الذي يأخذنا إلى اكتشاف الوجه الفاقع لتويتر في نسخته السعودية، ينشغل باختبار سلوك اللاعبين والمشاركين فيه، ومفارقاتهم الأخلاقية، وأوهامهم، وكل الغرائز التي أسست لفضاء يحكمه كائنات منشقة عن إنسانيتها على حد وصفه..

ولأنه يقف من شرفة النقد، يحرص العباس على تشريح لغة المغردين، وأفعالهم، باعتبارها ممارسات كاشفة عن هوياتهم، فاحصا المعجم التويتري الذي أخذ ينمو مع نمو هذه المنصة الاجتماعية.

تويتر الذي جاء مبشرا بالحوار واستعادة صوت الفرد تحول بفعل البذاءة والاساءة والرغبة في تدمير الآخر المستشرية إلى أداة “تكاره”، حيث الوحوش الطليقة تصادر كل القيم الأخلاقية لهكذا حوار، وهنا سيقول العباس في برابرة تويتر ما لم يقله مالك في الخمرة، فهو ينوع في سرد أوصافهم في كل مقالة ضمن الإصدار، فهم ليسوا إلا ذوات تالفة، متضخمة بالكراهية، ذوات فاسدة النسيج، مريضة بتعذيب ضحاياها، مغرمة بالتسلط، بل ومستلبة ومخدوعة وهزيلة، ذوات مضطربة الأحاسيس في أفضل الأحوال، تأخذ صور الحوار باتجاه “معارك الإنسان الهمجي الأول”.

يعلن العباس عن هزيمة المثقف في هذا الفضاء التويتري، في ظل تسيد الطوابير المجنونة من الجماهير، حتى قال عنه في مايشبه النعي “ليس للمثقف من يرتوت له”، ليستدرك بعدها مهاجما طابور المستلقين في تويتر، ممن لا يصدق عليهم وصف المتلقي بل المستلقي، أي الذي لا يملك فاعلية التلقي والتواصل التفاعلي، والذي ساهم برأيه في خلق ذوات متضخمة بها من الاستعلاء الكثير، ذوات من صنف “معبود الجماهير” الذي يساهم في “التواطؤ على الجنون” عبر منزلقات الصراع الذي يلهث وراءه الجمهور، وهو يتابع الهشتاقات ويصنعها أيضا في سياق حملات الاسقاط والنيل من الآخر.

يتحسر العباس على انقلاب تويتر إلى مصنع للتافهين، وهو يسلي النفس بالإشارة إلى صعوبة استيعاب هذا الدرس الحضاري لأولئك الذين لم يجربوا مرة في حياتهم اختيار “رئيس مقصف مدرسي”، هنا يمارس العباس شيئا يشبه “قصف الجبهات” على غرار أفعال التويتريين، مستنكرا هذه المزاحمة التي يبديها الشاب في تويتر داعيا إياهم إلى تغليب الاستماع على البث حرصا على تنمية ذواتهم الطرية..مرة أخرى يلتفت العباس للمثقف في تويتر وارتهانة لتفكير الغالبية ومسايرتها، بل واشتباكه مع خطاباتهم الطائفية، فالكثير من القضايا الفكرية والعقدية يتحول فيها الحوار في تويتر إلى أداة للتقسيم الاجتماعي والتحريض ولا يكون تداول المثقف لها في هذا الفضاء إلا ابتعادا عن روح البحث والمعرفة باتجاه الانخراط في أتون الحروب الكلامية التي لا تنقطع في تويتر.

الأكيد أن هذا الكتاب لا يهجو فقط، بل يمضي إلى النظر إلى تويتر كمختبر إنساني كبير، يشخص من خلاله صور الواقع الثقافي والاجتماعي، ويرصد مناطق الاعتلال التي تجعل من كل شيء مادة قابلة للتهاتر، وتجعل من منصة الانترنت برمتها مكباً كبيراً ومستنقعا واسعاً لا ينتمي لمفهوم المساحات الحرة، حيث المكتسبات التكنوثقافية عرضة للفوضى والتزييف والتشويه والتحول إلى أداة لا تنتسب للإنسانية في جوهرها وقيمها.

* بالمشاركة مع صفحته في “فيس بوك”، وبإذنٍ منه.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com