[مناجم الطين 3] عمّال “اليومية” بين خيارين: فوق الأرض.. أو تحتها 6 ريالات لـ "النجّاف" و 4 للعامل.. والحصيلة 1000 خيشة

سالم الأصيل

 

سيحكي لنا النَّجَّاف الآخر، الحاج يونس المشعل، الذي زاول المهنة خمسة عشر عامًا، بصفة جزئية أيضًا، بحسب الفراغ والفرصة والطلب. ها هو يسرد لنا فصلاً من فصول قصة الطين.

نقول بصفة جزئية، ذلك لأنّ العمل في استخراج الطين عمل موسميّ كما أسلفنا، مرتبط بفصل الصيف فحسب، العمّال يُستأجرون دون ارتباط بعقدٍ ولا اتفاق دائم، وإنّما بحسب فراغهم ورغبتهم، وهم فلاحون غالبًا، يستأجرون بأجرة يوميّة، بما يشبه أجرة العمالة اليوميّة التي تعمل في البناء أو سواه، يومًا بيوم.

الفلاح يُقدّر، ما إذا كان الذهاب للقليب يُورِدُ كسبًا أكثر من يوميّة النخيل، أو ما إذا كان متفرغًا أو مشغولاً، هذا ما سيُوجّه قراره بالذهاب للقليب من عدمه. فقراره بيده هو، لا بيد سواه.

رهن الإشارة

حتى النَّجّاف، وهو صاحب الحرفة أكثر من سواه من رفاقه في عملية استخراج الطين الخويلدي، لا يعتبر صاحب مهنة مُفرّغاً لها على وجه الحصر، فهو في الأصل فلّاح غالبًا، وإنّما يطلب إليه تاجر الطين أن ينجف. “يا فلان. نبغا لينا 1000 خيشة طين” فيقدّر هو بدوره ويقايس بين أجرته اليوميّة في بستانه، وأجرته اليوميّة من استخراج الطين، فيجد غالبًا أنّ هذه الأخيرة تدرّ ربحًا أكثر في اليوميّة، إذ تبلغ أجرة اليوميّة الواحدة للعامل أربعة ريالات تقريباً، وللنّجّاف ستة ريالات تقريباً، وهذه الأجرة الأخيرة في ذلك الوقت؛ هي معدّل أجر العامل اليوميّ (يوميّته) التي لا تزيد غالبًا عن هذا المقدار، سواء كان العامل في أرض الفلاحة أو الطين أو البناء. 

سيهمُّ على إثر هذا التقدير، وهذا الاتفاق مع تاجر الطين بجمع عمّال يساعدوه في مهمة استخراج الطين بالكمية المطلوبة.

أما حين لا يوجد عمل في البستان ولا في المطينة، سيعود آل وهيب للعمل على حماره في النقل. ومن هذا يتضح أنّ الواحد من الناس قد يزاول أكثر من مهنة في زمان واحد، باحثًا عن الكسب الأوفر.

الإصباح، والقهوة أوّلاً!

نتجهز بجهازنا، نأخذ العمّال الذين اتفقنا وإيّاهم من البلاد صباحًا، فنصبح ماشين.

“نتقهوى” ما إن تطأ أقدامنا أرض المطينة، وإن كان ثمة تَمْرٌ تناولناه، وإلا فالكفاية – كلّ الكفاية – في القهوة المُرَّة، تلك المرارة التي مهما كانت علقماً، فإنّها أهون من ظروف العمل القاسية، ومرارة الأيام التي لا يهونها إلا تقاسمها ورفاق الدرب الطويلة. تُقطع بالأحاديث المرحة والهازئة من كلّ شيء مهما كان مُرًّا، قبل النـزول إلى بطن الأرض والتحلّق حول دائرة قليب الطين عرضة لهجير الشمس الصيفية اللاهبة.

ربما كانت القهوة مُرّة دون “فردة تمرة”، لكن مرارتها لا تختلف عن مرارة كثير من الأشياء. صحيحٌ أنّ شرابها يسري في مجرى كلّ واحد منا بشكل منفرد، لكنها مُتقاسَمةً بيننا يُهوّن مرارتها.

ثم نشرع في العمل..

الهبوط

 أول من ينـزل إلى جوف القَليب هو النّجّاف، أو مجموعة النّجّافين، فيشرعون في تكوين المسارات الأفقية، كلّ واحدٍ بقَدّومه الخاصة به. إما ثلاثة على شكل مثلث، أو أربعة على شكل مربع. نسمّي المسار الفرعي المتفرع من المسار الأصل (الصّغو)، والصّغو هو المسار الولد من المسار الأب.

لا ينهار القليب ويغلق نفسه بنفسه دفعة واحدة، وإنّما يبدأ بإعطاء إشارات، تسقط من جوفه قطع طينية بحجرها (طينةً قاسيةً) تبدأ أوزانها من نصف الكيلو تقريباً، ثم قطعة أخرى بوزن أثقل، ثم قطع أكبر، يكون هذا التدرّج الإنذاري على مدى يوم واحد تقريبًا، مُنذرًا النّجّافين بالخروج والاكتفاء منه، فإذا تهاوى تساوى القليب بالأرض، وكأنّ شيئًا لم يُحفر.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com