[40 حكاية: 9] نصف بيت جدّي حسينيّة!

مصطفى الشعلة

 

كلّما تأملتُ جانبًا من طفولتي رأيتُ جدّي السيد صالح عُنصرًا فاعلًا فيه، فكما أنّه رَسَم طفولتي بحبّ النخيل والبساتين، كذلك جدّي نفسه غَلغَل في أعماقي حبّ أهل البيت عليهم السلام. ترعرعتُ في بيتٍ نصفُه حسينيّة. يعملُ جدّي طوال العام في حصاد النخيل. نصفُ إيراداته تذهب في مصاريف البيت، والنصفُ الآخر تذهب لإحياء مجالس أهل البيت عليهم السلام خصوصًا في أيام عاشوراء، وزيارة مراقدهم المُقدّسة. كان جدّي يعتبر السفر دون زيارة المراقِد عبَثًا ومعصية!

ما يحين شهر محرّم الحرام حتى أرى جدتي علويّة ونسوة الحي يتجمعوّن في ليوان أو “حوي” بيتنا القديم من الصباح الباكِر حتى المساء لتجهيز الأطعمة التي تُقدّم كضيافة للـ “مُستمِعة” أي الحاضرين للحسينية. من أهم هذه الأطعمة المَحموص وهو الأرز المُحمّص بالبصل. كان يصعبُ علينا نحنُ الأطفال دخول البيت لازدحامه بنسوة الحي، وشدّة ريحة البصل التي تجعل العيون تسيل بالدموع! الكلّ مُستنفرٌ لـ “خدمة الحسين” التي تعني أي عملٍ مُرتبط بإحياء مآتم الحسين عليه السلام. كنتُ أستمتع مع أخوتي بجلب سعف النخيل إلى البيت ليُستخدَم كأداة وقود لطبخ الأرز واللحم في قدورٍ كبيرة جدًّا. ولأن البيت لا يسع هذه القدور كانت النسوة تجعل من أزقة القرية مطبخًا لها!

يستمر هذه الاستنفار إلى عشرة أيام، ثم تستمر المجالس الحسينية بشكلٍ أخف لبقية شهر محرم وصفر. بعدها تنتهي مجالس الأحزان لتحلّ محلّها مجالس الأفراح وهي الاحتفاء بذكرى موالد المعصومين الأربعة عشر وأكثرها في شهري ربيع وشهر رجب وشعبان ورمضان امتثالًا بالحديث الشريف “شيعتُنا خُلِقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحِنا ويحزنون لحزننا”. كان في قريتنا أيضًا مجموعات شبابيّة تلتزم بتنظيم احتفالات لهذه المُناسبات تحتوي على فقرات إلقاء الشعر الأدبي والأناشيد والأهازيج وبعض كلمات الوعظ وذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام، ويعتبر هذه العمل من أقدس العبادات والأعمال التطوعيّة كمصداق لإحياء الشعائر وذكر أهل البيت “رحم الله من أحيى أمرنا” “ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”!

بيت جدّي ما هو إلّا صورة مصغّرة عن واقع المجتمع القطيفي الشيعي الذي عُرِف عنه ارتباطه الوثيق بأهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، حتى أصبح هذا الارتباط هويّته الأساس التي يُعرَفُ بها. الحديث عن خصائص وإيجابيات هذه الهويّة “الولائية” يطول جدًا من أهمها الالتزام الديني والعمل الاجتماعي والحِراك الثقافي. علمتني حسينية جدّي السيد صالح فنون العمل الكشفي والتطوعي وخدمة الضيوف، كما علمتني أيضًا الحسينية فنون الإلقاء والخِطابة وكأني مُتخرجٌ من أرقى أندية التوستماستر!

في المُقابل ولأن مُجتمعُنا كباقي المُجتمعات ليسَ ملائكيًّا يطغى عليه سيطرة العقلُ الجمعي، وبالتالي يصعب على الفرد أن يسبح عكس التيّار أو يأتي بفكرة مُغايرة. على سبيل المِثال لا الحصر في فترةٍ من الفترات ساد في قريتِنا تقليد العلّامة الشيخ حسين العصفور رحمه الله وهو من أشهر المراجع الشيعة القُدامى ينتمي إلى المدرسة الإخباريّة التي لا ترى العقل من مصادر التشريع بعكس المدرسة الأصوليّة التي ينتمي إليها معظم المراجع الشيعة المُعاصرين. وكما هو معلوم في فقه الشيعة وفي زمن غيبة الإمام المهدي عليه السلام يجب على المُكلّف إمّا التمكّن من عملية استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها وهو أمرٌ شبه مُحال على العامة أو تقليد مرجع متخصص متمكّن من الإفتاء واستنباط الأحكام. كان من الصعب على الشاب الصغير أن يقلّد مرجِعًا غير المرجع السائد في منطقته. أحد الآباء اعتبر ابنه عاقًا عندما قرر تغيير مرجعه إلى مرجعٍ آخر!

هناك مُحاولات كثيرة في الأعوام الأخيرة لتعزيز ثقافة احترام الرأي والرأي الآخر لكن كما يبدو أنّنا لا زلنا في المراحل المُبكرة جدّا ونحتاج إلى الكثير من الجهد حتى نصنع مُجتَمعًا يستوعب كلّ الألوان والأطياف من دون إقصاءٍ ولا اعتراك!

#أربعون_حكاية_في_أربعين_عامًا

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com