كل منا يرى قريته محور الكون

أثير السادة

 

يراود الواحد منا أحيانا شعور مضلل بأن قريته أو بلدته – وفي مرات يكون الحي الذي يسكن فيه – هي محور الكون، كيف لا وقد احتواه ذلك المكان ووهبه كل المعاني والصور التي تصوغ هويته اليوم، يتذكر مؤشر الساعة وهو يدور بثبات حول المكان الأثير في ذاكرته ووجدانه، فيحسب أنه الشمس التي تدور من حولها الأفلاك والكواكب، شعور يتضخم في الطفولة ثم يغيب لكنه لا يبرح أن يعود كلما تباعدت بنا الذكريات أو أخذتنا الظروف بعيدا عن عين المكان.

“لماذا لم تذكر مدينة المبرز على خارطة أرامكو”….سؤال صغير تورده نشرة قافلة الزيت الاسبوعية في عام 1966، أرسله شخص معني بمسقط رأسه، ومهتم به، وممتلئ بصوره، فجعله في ظرف ودفع به إلى البريد ليسمع الجواب ولو بعد حين…كان الجواب باردا لا يشبه حماسة السائل، فالخريطة المشار إليها لا تسمح بسرد الأماكن القريبة من المراكز الكبرى، فحضرت الهفوف وغابت في مساحة الظل “المبرز”، وإذا ما اتسعت أبعاد الخريطة اتسعت الاحتمالات وبات شأن إيراد المدن والقرى الصغيرة ممكنا جدا..بعدها بسنوات أرسل شاب آخر يسأل لماذا لا تظهر جزيرة تاروت على الخريطة، وهو كمن يشعر بالنفي والغياب بغياب المكان الذي يعيشه بكل أبعاده التاريخية والجغرافية، الثقافية والاجتماعية، وهذه الصور تتكرر بين حين وآخر، غير أن أسباب انبعاثها تتحول وتتعدد، بتعدد الظروف وتبدلها، فمن الخوف على الهويات الصغيرة إلى الخوف الوجودي الذي ينتاب المشغولين بأحوال المكان وساكنيه.

في الغالب نحن محمولون على حب الأماكن التي تسكننا، حتى أصغر وحدة منها وهي البيت، نشعر بأننا خارج هذا المكان عرضة للتفتت، للتشظي، لأن نصبح شيئا لا يشبه الصور التي نحب، والذين ينغمسون بأماكنهم بكل حواسهم يجدون صعوبة في مغادرتها، جسديا وعاطفيا، ويدفعون إلى صيانة صورتها في وجدانهم، ما يحمل أحياناً على تضخم تلك الصور واستحالتها إلى خيالات وصور شعرية أكثر منها وقائع مادية..الذين تراكضوا لجعل القطيف على خريطة الأحوال الجوية مثلا يدركون جيدا بأنها لا تبعد عن الدمام مسافة معتبرة على مؤشر الطقس، لكنهم يريدونها لتثبيت حضور المكان والإشارة إليه حتى لا ينتهي إلى هامش، هم مدفوعون بقلق التحولات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي أعادت هندسة صورة المدينة وشكل حضورها الإنساني والاقتصادي، وهي صورة غالباً ما تحضر بحمولة اجتماعية وثقافية لا يمكن إغفالها!.

هذا يفسر جانباً من الصيحات التي تعتلي كلما انزاحت صورة المكان عن المعاني التي يصونها الناس له، ويختصر الطريق للجواب عن قلق التحولات الذي يتسلل إلى لغة الناس كلما انتبهوا لخروج المكان من صورته الأولى إلى صورة جديدة، بينما هم في استغراق طويل داخل صور كثيفة تغرف من الماضي أكثر من الحاضر، ومن الأمنيات أكثر من الوقائع، لأن الأماكن تتحول كما تتحول الناس، ويهبها الوقت باشتراطاته هوية جديدة، قد لا نحبها لكن الوقت كفيل بجعلها واقعاً مستساغاً.

وبس.

‫3 تعليقات

  1. لو أن أحد الغرباء اختزل القطيف في الصيد البحري لالتمسنا له العذر لأنه قد يجهلها، لكن أن تأتي الطعنة من ابن البلد فهذه مصيبة،. من المؤسف و المخجل أن تنضم إلى قائمة المصفقين و المطبلين في حفل تهميش و إقصاء مدينتك فهذا لا يليق بفنان.

  2. شكرا لمداخلتك أيها العزيز، هنالك اعتبارات إدارية واقتصادية تتقدم قائمة المبررات لاعتماد مدن دون أخرى، وإذا كان من سبب وجيه لإدراج القطيف سيكون حضورها في قلب اقتصاديات الصيد البحري… كنت أسعى لتفسير و وصف وليس تبرير وتقويم هذا الحضور أو ذاك الغياب..

  3. القطيف ليست قرية صغيرة حتى يتم تجاهلها و إنما منطقة كبيرة تضم عدداً من المدن و القرى، لماذا نبحث عن المبررات للتهميش الواضح الذي تتعرض له قطيفنا، لمدا تذكر الخبر و الظهران و و راس تنورة و هي القريبة من الدمام و تحذف القطيف؟ و بالمناسبة هو نفس المبرر لعدم إنشاء جامعة في هذه المحافظة بينما تتمتع كل المدن المحاورة بجامعات وكليات رغم قربها من بعضها، أتمنى أن تكون منصفاً بدل المشاركة في عملية التجاهل و التهميش.، و تذكر هذا التهميش يشمل سيهات أيضاً.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com