الصورة التي تعادل ألف خطيئة!! 2/2 لماذا باتت الصورة سؤالا أخلاقيا؟

أثير السادة*

 

 الذي جرى خلال عقد أو يزيد من الزمان فتح دائرة الصورة على مصراعيها، أخرجها من خدرها وسترها الطويل في الألبومات العتيقة، كما أخرج صانعيها من دائرة الحرص على الاحتفاظ بها بعيدا أعين الناس ،إلى حيث تصبح المشاركة والفورية في النشر عبادتان واجبتان في عقيدة الصورة الجديدة.

تحولت الصورة ومعها تحول مزاج الناس، باتت الرغبة في انتاج الصورة وتبادلها هي الأصل، هي الحاكم لسلوك الصورة وسلوك الناس، وباتت السهولة في الانتاج والتوزيع سببا في اتساع دائرة المستخدمين ، ودائرة الموضوعات، لا شيء اليوم خارج دائرة الاستهداف بالنسبة للصورة، فالناس أصابعهم يقظة ومتحفزة للضغط في أي لحظة على زر التصوير، وزر إطلاقها في فضاء الناس.

من هنا لم تعد هنالك مسافة واضحة بين ما هو خاص وما هو عام، خرجت الكثير من الأمور عن دائرة الشأن الشخصي لتحل ضيفا في الفضاءات العامة، ومع مرونة الحركة ومرونة البناء باتت عرضة للانزياح في علاقتها بموضوعها الأصل، في طبيعة استخداماتها، ومعها أيضا بات صناع الصورة رواة، صحافيين، مؤرخين، كل يريد أن يكتب ذاكرة الأشياء من موقعه، لكن هذه الكتابة هي بنائها خليط من رغبة رواية الحقيقة ورغبة الامتاع، فالحقيقة هي وليدة رغبات متدافعة، متناقضة، ومنحازة.

سنكتشف في نهاية المطاف أننا المتأنقون في صياغة عباراتنا وهندامنا، لا نملك الكثير من الأناقة واللياقة حين تصبح الصورة موضوعا لذلك، نحن المهذبون في كتابة عبارة للصباح لا نملك ما يكفي من التهذيب ونحن نلصق معها صورة بلا حساب، ونسوقها من سياق لسياق، ومن مكان لآخر..وهذا يكشف أيضا هشاشة الصورة في الميزان الاجتماعي والثقافي، فالمجتمع المحافظ في علاقته بالصورة عموما هو من أكثر الناس التصاقا بها في تواصله اليومي، وأكثر الناس استخافا بأسئلتها حين تصبح الأخلاقيات موضعا للتساؤل.

هو هاجس كوني بالطبع، لأننا في لحظة كونية مشتركة، نشارك فيها العالم استهلاك الصور وتدويرها، لكن هذا الهاجس كان يفترض أن يحضر بنحو أكبر في فضائنا، لطبيعة التكوين الثقافي الذي يسبغ على المجتمع مسحة محافظة تحرص على تمتين الحدود الفاصلة بين الخاص والعام، ولطبيعة النظام الرسمي الذي يبدو أنه فقد السيطرة على تدفق الصورة وحركتها، وارتبك في إيجاد صيغة لتنظيم هذه العلاقة الجديدة بين الناس والصورة.

نحن اليوم تربية الصورة، أعادت الصورة تأهيل أحاسيسنا، طرق تفكيرنا، واستجابتنا أيضا، هذا السيل من الصور الصادمة هو ما يهبها الألفة، ويهبنا عدم الاكتراث، نحن لم نعد ننظر إلى صوت القتلى، وصور الكوارث بدم بارد فقط، بل نحن نمارس أحيانا تصوير أمثال تلك الصور بكثير من التبلد في الأحاسيس، الفضول هنا هو سيد الموقف، ونيل قصب السبق هو الحافز الأول والأخير لالتقاط صورة في حادث أو كارثة أو وضع يحتمل أن يكون صادماً للناس.

لكن السؤال الآن هو : ما العمل..كيف يمكن أن نعيد للصورة أخلاقياتها، هل ينبغي علينا أن نروض الصورة بدل أن تروضنا؟ هل علينا أن نقيد حريات المصورين كحل ؟ أم أن نهيأ أنفسنا لقبول حقائق ووقائع جديدة تفرضها الصورة؟

قبل هذا وذاك، نجد من المهم أن نبين ما نعني تحديدا بالأخلاقي والأخلاقيات، فبعد كل السرد أعلاه من المؤكد أننا وقفنا على المعنى المراد، لكن لا بأس من وضع حدود لهذه المفردة حتى نمايزها عن مفردات أخرى تتداخل معها..فتعريف الأخلاقيات إذا أردنا التبسيط هو ما يتعلمه المرأ عبر المجتمع لتقييم الصائب والخاطئ من السلوك، ويمثل التزاما طوعيا بقيم الجماعة، وهو دون القانون لجهة الزاميته، وقد يختلف من جماعة لأخرى.

بين الأخلاقي والقانوني قد تتداخل المساحات، متى ما جرى احتواء هذه الاخلاقيات ضمن التطبيقات النظامية، وفي شأن الصورة، نحن في الغالب أمام ضوابط تحتشد في خانة الأخلاق أكثر من القانون، لأنها ببساطة لم تكتسب حتى الآن الصياغة الرسمية التي ترفعها إلى مصاف القانون، هي محترمة لأنها مدفوعة بقوة المجتمع وأعرافه، وليس لأنها محمية بقوة القانون.

وعودا إلى سؤالنا: ما العمل؟

نقول نحن أمام ثلاثة خيارات:

– أن نمارس المنع تلو المنع، ونحبس الناس في دائرة القوانين المقيدة

– أن نترك الصورة تختار بإرادتها شكل حضورها وشكل الأخلاقيات التي تليق بها

– أن نتحصن من أمراض الصورة وأعراضها، عبر تشريع القوانين التي تساهم في تحويل المسائل الأخلاقية إلى أنظمة وقوانين حاكمة، وعبر تنمية الحس العام بقيمة الصورة وخطورتها، وإجراء الدراسات المسحية والوصفية التي تساعد في تقييم سلوك الناس مع الصورة، وأخيرا وليس آخرا، إطلاق مبادرات مبادرات لحفظ حقوق المصورين بكسر الراء، وحقوق المصورين بفتح الراء، وللتعاطي الأخلاقي والمسئول مع الصورة انتاجا واستهلاكا.

وأنا بدوري أقترح عليكم ، كأضعف الإيمان، أن تجربوا هذا النموذج الذي أسميته 8+1، نموذج لاختبار الأبعاد الأخلاقية لأي صورة نرسلها أو نستقبلها، هو بمثابة سلة من الأسئلة التي يمكن أن تساهم في هندسة سلوكنا تجاه الصورة، وتأهيل حساسيتنا النقدية من أجل ممارسة واعية، تعي قيمة الصورة، بمثل ما تعي خطورتها، لتكون بذلك تمارين على فهم الصورة من جهة، وعلى الالتزام بالحد الأدنى من المسئولية الأخلاقية تجاهها.

__________________

* من صفحته في الفيس بوك.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com