“دعاويْ” الأمّهات القديمة.. عُنف لغوي لم يخلّف أطفالاً معقّدين..! مع كل فعل أمرٍ دعاءٌ سيّيء ولعنة لا ترحم

ترسانة زجْر يومي تبدأ من استيقاظ الطفل حتى موعد نومه

خاص: صُبرة

بمعايير علم النفس التربوي؛ يمكن وصف تلك القائمة الطويلة من تعابير زجر الأمّهات والآباء لأبنائهم بأنها “عنف لفظيّ”، لا مكان له من أساليب التربية الحديثة. وعلى الرغم من فاعليته ـ عملياً ـ في ضبط سلوك الأطفال، في المجتمع الريفي القديم، فإنه كان يُعبّر عن حالات انفعالية معتادة في يوميات الناس. ولم يخلّف عقداً نفسية في الغالب. كان الطفل معتاداً على أن تدعو عليه أمه بـ “الطاعون” و “الحريقة” و “الجَهَد”، وفوق ذلك يُضرَب، دون أن يُصاب بالإحباط، أو الاكتئاب، أو الفصام…!

لكن الطريف أن “الدعاوي” لم تقتصر على أسماء الأمراض والأشباح والمجهولات الغريبة، أمثال “بلابوش”  و “أم الديفان” وغيرهما. بل هناك قائمة طويلة من “الدعاويْ” المنحوتة من لغة الحياة اليومية، لترافق الأوامر والنواهي الموجهة للطفل.

منذ استيقاظه صباحاً، حتى موعد نومه بعد العِشاء؛ كان الطفل يواجه ترسانةً مما نسمّيه اليوم “العنف اللفظي” من مصدر الحنان ومنبعه. كأن في كل حركة يقوم بها قرينة من “دعوة” عليه بويلٍ من الويلات.

لقد ابتكروا “دعاوِيْ” منحوتة من أفعال الأمر، ومن الصفات، بل ومن أسماء أبنائهم، حين ينادونهم أو يأمرونهم زجراً. صحيحٌ إن هذه “الدعاوي” لم تكن تُوجه للصغار جداً، إلا أنها كانت كثيفة.

وفيما يلي رصدٌ لقائمة من “الدعاوي” المنحوتة من لغة الكلام، مرتّبة حسب نشاط الطفل اليومي، وفي سياق تعامل الكبار معه بهذه “الدعاوي”.

1 ـ في الإيقاظ:

اقعد.. قعدْ رِسّكْ وانطفاْ حِسّكْ..!

الرسّ بداية الحُمّى.

قُم، قُومْ..

ـ قَمْقَمْ عَصَبْكْ وطاحت أرْكَبْك..!

ـ قامت اقْيامتك..!

2 ـ في الصلاة

صلّي، صَلْ..

ـ عساك تنُصَلِيْ..!

ـ صَلَىْ اللهْ جوفك..!

ـ انْصَلَى جوفك..!

3 ـ أوامر الطعام والشراب

كـِلْ.. أكَلَتْك حُوتـة القَمَرْ..!

حوتة القمر أسطورة قديمة تزعم أن حالة الخسوف إنما تحدث لأن حوتاً ضخماً في السماء يبتلع القمر، ثم يتقيؤه، مرغماً بعد أداء طقوس تطلب منه ترك القمر في شأنه.

اشربْ.. شِربتْك الأرض..!

تغدّى..

ـ عساك الأدَىْ..!

الأدى: الأذى. وفي القطيف لا ينطقون حرف الذال، بل يُبدلونهها دالاً مهملة.

ـ عساك غِدْغِدهْ..!

تعشّى.. عساك العَشَيانْ..!

العَشيَان: لعله العشا الليليّ (مرض في العين).

4 ـ أوامر الحركة

تعال.. تـَعْتـَعَوا بك..!

التعْتَعةُ: الحركة العَنِيفة [لسان العرب] والمقصود منها أن يأخذه الجنود كما يُؤخذ المجرم…!

رُوح.. راحتْ روحك..!

أي تموت.

ارجع.. رجع الْمَاْ في حلقك..!

الماْ: الماء، والمقصود هو العجز عن شرب الماء.. يعني الموت…!

رِدْ.. ردّ الَمَاْ في حلقك..!

ادْخلْ.. دخلْ فيك جنّي..!

دخل فيه جنّي، أي تلبّسه.

اطلع.. طلَعَتْ روحك..!

اخرج.. خرجت روحك.. أي تموت.

5 ـ أوامر مختلفة من ساعات اليوم

جـِيبْ.. جبجَب اللهْ بطنك..!

الجبجبة لها معانٍ كثيرة في اللغة، بينها “السمنة”. ولا أظنّ أن هذا هو المقصود في الدعوة.

طلّعْ اللي عندك.. طلعت روحك..!

أخرج ما عندك.. أخرج الله روحك من جسدك.

قُول.. تقلقلتْ احْنُوْچـُكْ..!

القلقلة: الاضطراب. و احْنُوْچـُكْ: أسنان الحنَك.

چَبْ.. چـبُّكْ الله في فـَراها..!

چَبْ: اخرس، وهي كلمة هندية. وهْي غير “چـبُّكْ” التي تعني “كَــبّكَ”. و “فراها” أي: ثراها، ثرى الأرض. والمعنى: اخرس أكبَّك الله في ثرى الأرض..!

چَبْ.. چَبّ الله حظكْ..!

الكلمة “چَبْ” هنا تختلفان في المعنى: الأولى: فعل أمر اخرس، والثانية: فعل ماضي كَبَّ.

تأدّبْ.. طِحتْ في أدبْ..!

أدب: بيت الخلاء.

6 ـ أوامر النوم

اغسل رجايلك.. غسّلَوْكْ ميّت..!

نامْ.. نامْ حظكْ ما قام..!

ومن حقّكم أن تتخيّلوا الأحلام الوردية التي سترافق الطفل الذي عاش مع هذا المعجم، طيلة نهاره…!

حبيب محمود

تعليق واحد

  1. سيل من الدعاوي ،لكن كله مغلف بالدفء والحنان الذي يمسح اثر اللفظ … وبجانب هذا السيل من “الدعاوي” ترسانة أخرى من الدعاء تمثل توازنا حسيا وروحيا .مثل :
    خلف قلبي … بعد طوايفي …عساني ما ابجي عليك ..وكثير هو الدعاء في مقابل الدعاوي مما يخلق ذالك الاتزان التربوي الفطري في المنطقة .

    تحياتي لكم .

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com