[مقال] سالم الأصيل: وجهك ليس أنت.!

سالم الأصيل

يدعونا ميلان كونديرا في روايته الخالدة (الخلود) إلى تخيل عيشٍ سابقٍ في عالمٍ ليس فيه مرايا: “تخيّل أنك عشت في عالم ليس فيه مرايا، كنت ستحلم بوجهك، كنت ستتخيله كنوع من الانعكاس الخارجي، لما هو داخلك. بعد ذلك افرض أنهم وضعوا أمامك مرآة، وأنت في الأربعين من عمرك، تخيل جزعك. كنت سترى وجهاً غريباً تماماً، وكنت ستفهم بصورة جليَّة ما ترفض الإقرار به: وجهك ليس أنت”

هذا التخيل الذي يؤدي في نتيجة من نتائجه، أو إيحاء من إيحاءاته، أو احتمال من احتمالاته إلى أن هذا الوجه الذي تراه في المرآة ليس وجهك الوحيد، وإنما هو أحد تمثلاتك، أحد احتمالاتك، أحد صورك، إذ إن المرء بوسعه أن يرى – في عالم خالٍ من المرايا – نفسه في صورة أعماله، أو أفكاره، انعكاسًا لما في داخله، والحال أن المرآة لا تُقدّم إلا واحدة من انعكاسات وجودنا، وصورة من صورنا.

يتحدث عيسى مخلوف في كتابه (الأحلام المشرقية) عن ارتياب بورخيس من المتاهة وتشعباتها، والمرايا وانعكاساتها، ناقلاً عن بورخيس من كتاب هذا الأخير الذي عنوانه (الكاتب):
“داخل المتاهة وأمام المرايا؛ لا يعود الإنسان هو ذاته”.
يسهب مخلوف في الحديث عن هذا الارتياب البورخيسي مُفصّلاً ما ذكره بورخيس على لسان إدغار ألن بو في قصة له عن قبيلة في القطب الجنوبي، عن رجل في هذه القبيلة ينظر إلى المرآة للمرة الأولى فيصاب بالفزع ويسقط أرضًا.!

حسنًا، ألا يأخذنا هذا إلى تذكر أسطورة نركسوس أو نرسيس الذي اشتُقّت منه (النرجسية)؟ وقول محمود درويش في (لاعب النرد):
“نرسيس ليس جميلاً
كما ظَنَّ.
لكن صُنَّاعَهُ
ورَّطوهُ بمرآته.
فأطال تأمُّلَهُ
في الهواء المقَطَّر بالماء”

هل العودة إلى نمط بدائي من الحياة – بعيدًا عن التطور التقني- أقدر على مساعدتنا في رسم صورة حقيقية لأنفسنا من خلال تخيلنا – وليس رؤيتنا – الانعكاس الحقيقي لما في دواخلنا، بعيدًا عن صورنا في المرآة ونظيراتها من الوسائل التقنية الحديثة؟

ومنه يتولد سؤال آخر: هل نحتاج إلى المرآة حقًّا؟! هل هي عاكسة للواقع دائمًا؟ أم أنها مُضَلِّلَة في أحيان كثيرة؟!

بناءً على هذا السؤال، يبرز سؤال أعمّ، وربما أهمّ: أليس التخيّل أهمّ من الرؤية؟

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com