[مراجعات: 2] محمد الماجد: عن شاعريّة الجَبل

محمد الماجد

هل يمكن لشاعر من أيِّ لغة كانت أن يكتب قصيدة نثر ـ على سبيل المثال ـ دون الرجوع إلى تراث تلك اللغة..؟ ، دون أن يحفظ أو يقرأ للمتقدمين من الشعراء..؟ دون حتى أن يكفّ عن احتقار أولئك العاكفين على هيكل الشعر القديم، والذين دأبوا على تلميع قبابه ومآذنه ورعاية طقوسه اليومية، لا لأنهم مقلِّدون ومسوخ بل لأنهم يعرفون – بحكم الفلسفة والبنى المعرفية – ألاّ سبيل إلى بناء أي طبقة إضافية في ذلك البناء الشعري دون الاتكاء على تلك القاعدة الصلبة من النصوص والقصائد العملاقة…؟

حريق روما لن يجعل من نيرون بطلا قومياً، وطواحين دون كيخوتي لن تجعل من قوة الوهم حقيقة. وإذا ما تمثّلنا التراث مثل جبل؛ فنحن لا نرى في الجبل ـ عادة ـ إلا كتلة صلدة وقاسية تكاد تخلو من أي مشاعر.

ولكن هذا لا يعني، بالتأكيد، أن أكتافه ليست أسرّةً وثيرة للغيوم، وأنّ أفخاذه وحواشيه ليست مخابئ سرّية للعقيق والفيروز وسواهما من الأحجار الثمينة، وأن كل هذا ـ في النتيجة ـ يعكس، وبشكل لافت، ما عليه الجبل من غموض وبلاغة تقترب من تلك التي لدى أمهر الشعراء الرمزيين.

الجبل ذاته ـ إذا شئنا أن نسترسل في المثال ـ يبدّل ربما من سحنته وملامحه الخارجية عبر أزمنة متطاولة تحت ضربات الزمن وأزاميل الريح ومزاج الطقس المتقلب. وهكذا هو التراث؛ يحدث ذلك عبر قرون، ولكنّه يظل مستسلماً لمهارة أولئك العمّال طمعاً في تحسين صورته، ودون أن يتخلّى عن مهامه في حراسة الكنوز إلا لأولئك الكشّافين العارفين بما تنطوي عليه أدراجه من مسارب وخرائط مدفونة.

هل أطلت على أدونيس وعليكم..؟

ربما..!

ولكن لن أستطيع أن أدفع بالنتيجة التي وصل إليها أدونيس ذاته فيما يختص بالقطيعة الكاملة بين الكثير من كتاب قصيدة النثر الحاليين والتراث الشعري العربي. لن أستطيع أن أدفع بنتيجته تلك إلى الواجهة دون هذه المقدمة. أن يدير شاعر حداثي ظهره بالكامل لتراثه، أن يسخر من قارئي التراث، ألا يحفظ حتى بيتاً يتيماً من قصيدة يتيمة، بينما هو في المقابل لا يتردد في التباهي بحفظه للديوان الغربي من هوميروس وحتى نيرودا.

ربما لم نكن حتى بحاجة إلى أدونيس ليقول لنا ما نصه “لا يستطيع الشاعر في أي لغة في العالم، في أي بلد في العالم، أن يبتكر جمالاً جديداً بلغة يجهل تاريخها الجمالي. ومعظم شعرائنا في الحداثة كانوا مع الأسف يجهلون التاريخ الجمالي للغة الشعرية العربية”.

ربما درس ذلك (الجبل) المليء بالكنوز كان ساطعاً بما يكفي، فصول الطبيعة، سيقان الأشجار، رؤوس الأنهار وهي تعتمر جذور الينابيع وتجري بها دونما رهبة من جغرافيا أو حدود. في الحقيقة لا أعرف أي مرارة كان ينطوي عليها لسان أدونيس وهو ينطق بهذه الكلمات القليلة، وأيضاً لا أعرف أي إهانة من الممكن لأي شاعر حداثي شاب أن يوجهها لتراثه أكثر من هذه الإهانة.

.——

الحلقة المقبلة، في الـ 9 من صباح غدٍ:

أدونيس، جبران، محمد الثبيتي

 

الحلقة السابقة

[مراجعات: 1] وداعاً بودلير.. أهلاً أبا نواس

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com