[مراجعات: 1] وداعاً بودلير.. أهلاً أبا نواس

محمد الماجد

الخلاصات عادة ما تصل متأخرة ولكنها وعلى الدوام تصل حادة ولاذعة ايضاً: صبابة النبيذ، تَفْل القهوة، ذيل تشرين، النيازك وهي في طريقها إلى الهاوية، والبيت الأخير من القصيدة، كلها ترسم النهايات الأكثر جمالاً لصيرورة الأشياء ونهاياتها المبهرة، أو لأقُلْ: هي الإشراق الذي يسبق لحظة الموت، اللحظة التي يقف حتى ملاك الموت أمامها مشدوهاً لقوتها ولأخذها الخاطف بأنفاس الغيب.

وحتى عندما يصل الأمر إلى شاعر بقامة أدونيس لا يمكن للخلاصة أن تتخلّف عن قوانينها التي ستضع بعض مراجعاته في وثائقي قناة الميادين، الذي حمل عنواناً لأحد دواوينه (هذا هو اسمي)، ستضعها في خانة الحاد واللاذع أو الباعث على الحساسية في أقل تقدير.

هذا عند بعضهم، أما عند آخرين ـ من أمثالي المغرمين أبداً بالاحتفال كلما صدفهم رأي مطابق لرأيهم خاصة في ما يتعلق بالجدل حول ينابيع الحداثة طمعاً في أخذ الجدل حولها إلى مديات أوسع ـ فستكون تلك المراجعة بالنسبة لهم خبراً ساراً بالتأكيد.

عشرة قرون تفصل محُدَثي الشعر العربي أمثال أبي نواس وأبي تمام عن رفقائهم بودلير ورامبو وفاليري وسواهم من أباطرة التنوير، عشرة قرون لم تمنع أدونيس من الاعتراف بخطئه وجماعة (شعر) في تقدير القرن الثاني الهجري وانجازاته المبكرة، فيما يتعلق بأسئلة الحداثة وطرائق اللغة المحدثة في التعبي،ر بـ “أين” و “كيف” و “لماذا”، وأيضاً بربطهم المستجد بين العاطفة والعقل، وبعثهم لقيم المدينة في مقابل البداوة، البداوة التي كانت تُشكّل عصَب الشعر التقليدي آنذاك.

كل هذه المتغيرات كانت ستشكّل منصّة لإطلاق البيان الأول لحداثة بجذور عربية ناجزة، وهذا مالم يحدث بالطبع..!

لماذا ذهبنا إلى بودلير اذن ؟

أدونيس: كان خطأً ذهابُنا إلى هناك.

ولماذا أبو نواس وأبو تمام الآن..؟

أدونيس: لأنهما سبقا بودلير إلى ما كنّا نبحث عنه، إذ لا يمكن الاستدارة الكاملة لجمالية الشعر العربي وإسناد ظهرنا للحداثة الغربية بطمأنينة تشبه طمأنينة الكاهن، دون أدنى نظر لما كنا عليه من حداثة عربية مبكرة، قمنا بإحراق عشرة قرون كاملة دون أن نلتفت، نحن الآن بحاجة لمن يكنس الرماد ويعيد ترتيب المكان من جديد، نحن بحاجة إلى حريق آخر !

هذه الأسئلة قمت أنا بإثارتها فقط الآن، وقد أجاب عليها أدونيس ضمناً في الجزء الثاني من البرنامج الوثائقي.

وحسناً فعلتُ، إذ يبدو الأمر أكثر وضوحاً الآن في ذهني وذهن القارىء، أكثر وضوحاً وأكثر خبثاً أيضاً.   

——-

الحلقة المقبلة، في الـ 9 من صباح غدٍ:

عن شاعريّة الجَبل

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com