[40 حكاية: 5] طرقت الأبواب لأبيع اللوز.. وكنت “حَمّاليْ” في سوق الخميس

مصطفى الشعلة

الغروب يكاد يلتهم آخر قطعة من النهار.. كان الطفل جالسًا عند عتبة بقالة الحاج إبراهيم النغموش رحمه الله، فرحاً بـ 17 ريالًا اكتسبها من بيع اللوز. شهيّته منفتحة على شهوة وجبته المفضلة. فكّاه يمضغان قطعة خبز ساخنة محشوة بقطعة صغيرة من مثلث جبن “البقرة الضاحكة”. كل “نهشة” يُغرقها بجرعة من “غرشة ميرندا”…!

17 ريالاً في جيب طفل في العاشرة.. ووجبة لذيذة.. وشراب منعش.. شعور الكسب عزيز.. عزيزٌ جداً. إلى حد أن الوجبة الشهية أخرج قيمتها بحساب دقيق: ربع ريال ثمناً للرغيف، نصف ريال لـ “ميرندا”، ربع ريال لمثلث الجبن. كل ذلك بريال وحد..!

ذلك الطفل هو أنا.. وجلسة عتبة الدكان تكرّرت كثيراً في فصول الصيف وموسم اللوز. بعد المدرسة و الغداء؛ أهرع إلى بستان جدّي، وأتسلّق “قضوب” اللوز.. أجمع وأخوتي ما ينضج من ثمر الموسم القطيفي.. ومن ثم نوزع كمياته على صناديق خشب (سحاحير، مفردتها: سحّارة).

بعد ذلك نذهب مشيًا من قرية حلة محيش إلى وسط القطيف، في سوق الخضار. وأحياناً نعرضها على قارعة الشارع العام. في نهاية اليوم؛ نسلّم حصيلة البيع إلى جدّنا.

قبل عودتنا إلى المنزل ألملم ما تبقى من اللوز في سلّة، ثم أطوف به بين بيوت الجيران. أطرق الباب بيدي الصغيرة..

ـ يأتي الرد من فتاة وراء الباب “دامن؟”

ـ أجيب متحمّساً: “تبغوا لوز؟”

وما إن تسمع الفتاة كلمة “لوز” حتى تنادي أخوتها: “جا لِصْبَيْ إللي يبيع لوز”.

أدخل متبختراً، أعرض بضاعتي، أجدني محوراً لشراهة عيونهم..!

ـ هنّ: بكم اللوز؟

ـ أنا: خمس لوزات.. و وحدة زيادة!

وكأنما أقدّم لهم عرضًا مجانيًا!

لحظات انتقائهن اللوز وإعطائي ريالاتهنّ الملفوفة من أجمل أيام حياتي!

بعد “تصريف” البضاعة كلها؛ أكافئ نفسي بالذهاب إلى البقالة وشراء وجبتي المفضلّة وعدّ نقودي!

***

مشهدٍ آخر

استيقظتُ فجر خميس.. أخذتُ عربة البستان التي نسميها “عيربانة”، وذهبتُ مشيًا أجرّها معي إلى سوق الخميس.. من قرية الحلة إلى القطيف.. السوق تغيّر موعده حالياً إلى “السبت”، بعد تغيير الإجازات الأسبوعية إلى الجمعة والسبت..

يكتظ المكان بالباعة والمتسوقيّن كلّ صباح خميس.. أتجوّل بين البضائع، وأستهدف الذين يشترون أغراضًا كثيرة. أقلّب الوجوه وهي تبدو عملاقة بالنسبة لطفلٍ صغيرٍ.. وأهمس لأحدهم “تبغى قاري حجي؟”. أشعر بالسعادة عندما تكونَ الإجابة بـ “إيه نعم”.

ذاتِ مرّة طلبت مني امرأة كبيرة في السن “قاري”. تجوّلتُ معها فترةً طويلة وهي تتبضّع. قلتُ في خاطري ستكون حصيلة هذه الخدمة مبلغًا مفرحاً، لكنّها “سامحها الله” حاسبتي بـ “ثلاث ريالات” فقط.. كانت واحدة من الخيبات..!

في المقابل أتذكر رجلًا غمرني بلطفه، وأعطاني خمسة عشرَ ريالاً مقابل خدمة توصيل لم تتجاوز خمس دقائق. يا له من رجلٌ كريم أودّ لو ألقاه وأقبلّ جبينه لقاء الفرح الذي حصلت عليه من كرمه..!

مهارة الكسب

هذه الأعمال؛ تبدو في نظرِ بعض اليوم وضيعة أو قاسيّة على طفل لم يتجاوز العاشرة، إلّا أنها كانت بذرة لمهارة الاكتساب والعمل الحر. عملتُ بعدها في مجالاتٍ شتّى كالدروس الخصوصيّة في الرياضيات والمواد العلميّة، والكتابة والرسم على الوسائل التعليميّة. وما زالت البذرة الطيّبة تأتي ثمارها!

أتذكر عندما قدمت ابنتي “بتول” ـ وهي في الصف الأول ثانوي ـ أول دورة تدريب لها في مهارة الرسم واكتسبت بعض المال؛ غمرني إنجازُها بسعادة وغبطة، ليس من أجل المال، بل من أجل مهارة الاكتساب والعمل الحر. قلتُ لها ما معناه إن إنجازكِ هذا يعادلُ ـ بالنسبة لي ـ سعادتي بتخرجّك بامتياز من المرحلة الثانويّة”

أظنّ أنّنا في حاجة إلى غرس مهارة الاكتساب والعمل الحر في نفوس أطفالنا.. إنها ضمانة لهم في فتح أبواب الرزق ومواجهة صعوبات الحياة.

#أربعونحكايةفيأربعينعامًا

تعليق واحد

  1. أقبل تلك الجباه وبارك الله لتلك الأيدي الصغيرة العاملة والتي ترفض أن تكون عالة على أحد.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com