حتى في القطيف.. كان ركوب “السيكل” عيباً…!

حبيب محمود

قد نجد بعض الطرافة في صورة وثيقة يتداولها الناس عبر وسائط التواصل الاجتماعي حول “السماح” لمواطن في بريدة باستخدام الدراجة الهوائية، في أوائل سنة 1381هـ. وإذا صحّت الوثيقة فإن الإذن باستخدام هذه الوسيلة كان مشروطاً بصرامة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تلك المدينة الواقعة في قلب منطقة القصيم..!

ومن الطبيعي أن نرى هذا الأمر إدّاً عظيماً، وقد نذهب إلى أن نراه مضحكاً إلى حدّ ظهور أطقم أسناننا، والتقاء وجناتنا بحواجبنا، ووصول أطراف شفاهنا إلى حدود آذاننا، من شدّة ما في الأمر من غرابة. بمقاييس وضعنا الراهن؛ لا يمكن تصوُّر إخضاع وسيلة نقل ـ مثل الدراجة ـ إلى إجراء حازمٍ ومشروط عبر جهاز حكومي.. هذا بمقاييسنا الآن.

لكن واقع الحال؛ هو أن “بريدة” لم تكن المدينة الوحيدة التي يتشدّد متدينوها في التعامل مع هذه الوسيلة، وعلى النحو الذي يستلزم “إذناً”.

ففي القطيف؛ كان ركوب “السيكل” عيباً شنيعاً عند المحافظين. كان عملاً منافياً للآداب العامة.. وبعضهم كان يسميه “حصان إبليس”.. الميكانيكا المتوسطة القائمة على تحويل دوران الترس المجنزر إلى دوران عجلات، ومن ثم السير.. لم تكن هذه التقنية البسيطة مفسّرة لدى الناس بغير التصور “الغيبي” الذي يربط الأمر المستحدَث بالشيطان شخصياً..

وذات موقف صريح؛ خاطب الملا علي الرمضان، رحمه الله، (1314 ـ 1397هـ) أحد تلاميذه؛ فقال:

لا تركبنّ لسيكلٍ تشقى به

واعزبْ حياتك عن ركوب السيكَلِ

فيه من الأخطار ما يقضي على

عمر الفتى، ونجاة من لم يفعلِ

ولكن الفرق بين مجتمع القطيف ومجتمع بريدة؛ هو أن الأخير يحوّل بعض التحفظات الاجتماعية إلى إجراءات رسمية، فكانت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتدخل مباشرة في الأمور، وتحكم حسب تصوّرات العاملين فيها، وتفرض ما تفرض باسم “الدولة”..!

وفي القطيف، حيث يعيش مجتمعٌ مختلفٌ فقهياً، لا تتحوّل مثل هذه الأمور إلى إجراءات رسمية. مشايخ الطائفة الشيعية، بمن فيهم الفقهاء، لا سلطة رسمية لديهم على الناس. ولا يعمل أيٌّ منهم في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهناك اختلاف واضح في فقه هذا الفرع التعبّدي، لكنه ـ عند الشيعة ـ لا يصل إلى مستوى وجود ذراع ميداني رقابي تنفيذي، كما هو الحال عند إخوانهم السنة.

صراع القديم والجديد ظاهرةٌ بشرية طبيعية، لا يمتاز بها مجتمع دون آخر، وما حدث في بريدة أوائل الثمانينيات الهجرية (الستينيات الميلادية) حدث مثله في القطيف أيضاً. المجتمعات المحافظة تتشابه في مقاومة كلّ جديد.. و “السيكل” كان شيئاً جديداً وغريباً.. كأنه “حصان إبليس”..!

تعليق الناشر على بيتي الملا الرمضان في ديوان “وحي الشعور”

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com