“أزهار” الشيخ العمران.. “فيسبوك” و “تويتر” سبقا عصر الإنترنت…! مدوّنات عابرة حوّلها التقادم إلى مادة اجتماعية خصبة

صُبرة: خاص

لو عاش الشيخ فرج العمران في زماننا؛ لتابعه الناس في “سناب شات”، و “إنستغرام” و “تويتر” و “فيس بوك”.. وسائر وسائل ـ ووسائط ـ التواصل الاجتماعيّ. ولو عاش في زماننا؛ لكان هذا كله؛ امتدادًا لنشاطٍ “عنكبوتي” تقليدي آخر؛ هو موقع إليكترونيّ أسّسه منذ اليوم الأول الذي سُمح فيه لشبكة الإنترنت بأن تعمل في الداخل السعودي..!

لكن الشيخ العمران، رحمه الله، رحل عن عالمنا قبل وصول الإنترنت إلى المملكة بـ 20 سنة. ففاته ـ بل فاتنا ـ تدوين منشوراتٍ وحالاتٍ وأفكارٍ وقتيّة، قيمتها تتعمّق كلّما تعتّقت وتقادمت..!

Post

وفي عصر اليوم المؤرخ مضيت أنا والخطيب ملا سعيد السابق الذكر إلى منزل آية الله أقا حسين البروجردي، مدّ ظله، وطلبنا مواجهته، فلم يتيسر لنا ذلك، وقد صحبتُ معي جملة من “سفط الغوالي وملتقط اللئالي” و “الأصوليون والإخباريون فرقة واحدة”، فسلمتُها لبعض تلاميذه الحاضرين في مجلسه العامر، وهو الشيخ محمد الملقب بشيخ زاده، من أهل قم، ليوصلها إليه، شكر الله له الصنيع“.

كتب الشيخ هذا “البوست” في عصر الثلاثاء 29 صفر سنة 1377هـ، ويوافق ذلك 24 سبتمبر 1957م. ونشره في ص 74، من الجزء 7، من كتابه “الأزهار الأرَجية في الآثار الفرَجية”، المطبوع سنة 1384م.

إنه مجرّد منشور صغير، ضمن سلسلة منشورات متتالية رصدت ما عاشه الشيخ في شهر صفر من ذلك العام. الآن، وبعد 63 سنة، لم تعد هذه التدوينة كلاماً عاديّاً أو شخصياً يخص الشيخ العمران وحده. المنشور يتكون من 62 كلمة، لكنّ فيها الكثير من الدلالات، بينها: إيرانياً: الإشارة إلى حياة المرجع الدينيّ المعروف “آية الله بروجردي” الذي كانت له صولاتٌ وجولات في وجه الشاه.

  • محليّاً: الإشارة إلى حياة الملا سعيد بن الشيخ علي المرهون.
  • ثقافياً: الإشارة إلى كتابين للشيخ.

قُصيصة من قصة

والأهمّ من كلّ ذلك؛ هو أن هذه القصة الصغيرة التي لا تقول شيئاً، سوى أن الشيخ والملا زارا مجلس المرجع البروجردي؛ ليست أكثر من جزء يسير من قصة طويلة سردها الشيخ عن رحلة سفر له بدأت من القطيف، وتجوّلت في العراق، والشام ولبنان وإيران. وفي امتدادها زار الشيخ ورفاقه مقامات ومعالم، والتقى شخصياتٍ أعلاماً ووجهاء في عصرهم، وعرضت له أمور صعبة، وأخرى طريفة.

من القطيف إلى النجف

السفر بدأ عصر الجمعة الـ 26 من شهر محرم، “برفقة العائلة ومنهم الولدان حسين وعمران، متوجهين إلى العراق، ومعنا الصديق الرفيق الخطيب ملا رضي بن الحاج محمد جواد الزائر”، طبقاً لكلام الشيخ. انطلق المسافرون من القطيف، واستراحوا في الجبيل قليلاً، ثم أكملوا إلى “مشعاب” فباتوا فيها، ثم استأنفوا الرحلة صباح السبت، ولم يتوقفوا إلا ظهراً في الكويت، ونزلوا وباتوا عند رجل اسمه “محمد أبو عايش”. وعصر الأحد؛ غادروا الكويت إلى “صفوان” العراق، فباتوا فيها إلى الصبح، حيث حضر موظفو الحدود، ومن “صفوان” انطلقوا ـ بالسيارة ـ إلى البصرة، ثم استقلوا القطار إلى الحلة، ثم استقلوا سيارة إلى النجف..!

مجرد سردٍ شخصي في زمنه. إلا أنه الآن توصيف لـ “خارطة الطريق” البرية التي عبرها السعوديون المسافرون من القطيف إلى العراق، قبل 63 سنة..! وقد استغرقت قرابة 5 أيام.

في النجف

وبعد وصول النجف؛ تتعاقب الأحداث، فهناك وفاة المرجع السيد جمال الدين الهاشمي. وهناك عشاء في منزل الشيخ أحمد آل سيف، برفقة شخصيات قطيفية مقيمة هناك، بينهم الشيخ طاهر البدر والشيخ محمد تقي المعتوق. بمفهوم عصرنا التواصلي؛ هذه “حالات” يُنشرها مستخدمو وسائل التواصل. ومثلها المغادرة إلى كربلاء صباح الخميس، وزيارة الحسين، ولقاء الشيخ أحمد بن مهدي السويكت القطيفي المجاور للحسين.

خصص الشيخ العمران لرحلته الطويلة 91 صفحة من الجزء 7 من “الأزهار”. وملأها بقصص وحكايات أقرب إلى التدوين اليومي الذي لا يختلف، كثيراً، عمّا يسجلوه المدونون، اليوم، في حساباتهم الاجتماعية السائدة.. حالات عابرة، قصص صغيرة، مشاهدات.

بعد كلّ هذا التقادم؛ تحوّلت هذه “المنشورات” الكثيرة إلى مادة غنية بالدلالات.. يمكن وصفها بأنها تشكّل جزءاً مهماً من تاريخ الهامش..

حادثة مزعجة

في صبيحة يوم الاثنين 29 من الشهر المؤرخ؛ اتفق أن بنتاً لي عمرها أحد عشر سنة احتاجت إلى قضاء حاجة، فمضى معها أخوها عمران إلى أحد الأماكن المستورة قريباً من المركز، وأعطاها الإبريق، وعاد عنها. ونسيها، فاستبطأتها أمّها، فمضت إليها فلم تجدها، ففحصتْ عنها في الأماكن القريبة، فلم ترها، فعادت إلينا تولول بصوت مزعج وبكاءٍ عال مدهش قائلة “أخذتْ بنتي العروس.. أخذت بنتي العروس.. وا ويلاه وا ويلاه.. فأبكت الأعين وأحزنت القلوب..

واندهش أهل المركز، فخرج الكل يفتش، ويطلب ويفحص، فلم يجدوها، وأمّها لا تفتر من العويل والضجيج، حتى مرّت بهم امرأة من المجاورين المركز، فقالت “إني رأيتُ بنتاً قد أقبلت بيدها إبريق لتملأه ماءً من الفوّارة بقرب المركز فلحقتها الكلاب وذهبت تركض إلى جهة الشرق.

فعندها مضى أخواها حسين وعمران وتبعهما جماعة من الزائرين، وأهل المركز يطلبونها في البر، فسمعوا نباح الكلاب، فذهبوا إليها مسرعين، وطرودها وأدركوا البنت سالمة، فجاؤوا بها إلى أمها وقد كانت نفسها تزهق من الوجد، والحمد لله.

[مركز صفوان، الحدود العراقية، 29 محرم 1377هـ]

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com