أبو عبدالعزيز.. ورق “حجازي”.. وقلم حبر “بيجو”..!

ما كان نبأ وفاته، اليوم، إلا مفاجأةً من ذلك النوع الذي ينبش قصصاً ملفوفةً في خِرق قديمة جداً من الذاكرة، ومنسيّة تماماً من شريط الأحداث.

في المنطقة الفاصلة بين حيّي “كربلاْ” و “الجميمة” من العوامية؛ كان منزله ودكّانه. وأمامه مباشرة؛ مدرسة الواحة الابتدائية، أُولى مدارس البلدة، ومحطّ الذاكرة الأولى لكل جيل الستينيات وأغلب جيل السبعينيات، وجزءٍ عريض من الأجيال اللاحقة..!

أجيالٌ كثيرة تعاملت مع “أبو عبدالعزيز” في فُسح مدرسة الواحة الابتدائية. موجات كثيرة من الأطفال تدفقت على محله المقابل للمدرسة، وتخالط صياحها بصياحه وغضبه أحياناً..!

هذا يريد قلماً، ذاك “محّاية”، ذلك “ببسي”، أصوات ووجوه وأيادٍ.. يدٌ تأخذ ما طلب صاحبها، وأخرى تدفع السعر.. يد تنتظر الباقي.. و “أبو عبدالعزيز” يواجه كل هذه “الخربطة” المتداخلة بهدوء حيناً، وبضجيج حيناً آخر. يعرف أن محله هو الخيار الأول لطلاب المدرسة في السلع القرطاسية، وهو الخيار الثاني ـ بعد مقصف أبو غالية ـ في “السندويتشات” والمشروبات..!

“أبو غالية” معلّم فلسطيني مسؤول عن المقصف. وجبته الوحيدة “سندويتش الفلافل” تُباع بنصف ريال أثناء الفسحة. هكذا فرض المعلمون الفلسطينيون ثقافة المطبخ “الشامي” على مدارس السعودية. خلال عقود قليلة توطّنت “الفلافل” السعودية، ضمن المأكولات السريعة.

وفي فسحة مدرسة الواحة؛ يتزاحم طلاب العوامية على مقصف “أبو غالية”. والذين لا يحبّون “الفلافل”، يذهبون إلى محل “أبو عبدالعزيز”، وهو لم يكن يقدّم إلا “سندويتش البيض المسلوق”، و “الببسي”.

في الستينيات والسبعينيات؛ لم تكن تقدم البقالات أكثر من ذلك. ومحلّ “أبو عبدالعزيز”؛ أضاف احتياجات الطلاب الأساسية، وبعض الوجبات في الصباح. وفي المساء يتحوّل المحل إلى “مجلس شِيّاب” تمرُّ منه قصص البلدة و “سوالف” الناس.. يتوقف الضجيج كلّه، لتحضر حكمة الشيوخ وهدوؤهم..!

(2)

دكان “أبو عبدالعزيز” نموذجٌ لعشرات من دكاكين الستينيات والسبعينيات، في القطيف، بل في المملكة كلها ربما. خاصّة تلك المجاورة للمدارس. دكاكين مخلوطة البضائع، مركّزة على القرطاسية. لم نكن نعلم من أين يجيء “أبو عبدالعزيز” ببضاعته، لكننا كنا نجد ما نريده عنده، أو عند دكان “الميرزا”، داخل “الديرة” التي عُرفت بـ “المسوّرة”.

ذاكرة جيلنا مزدحمة بالمشاهد والقصص، مسكونة بمودة “شِيّاب” الدكاكين وكهولها. إنهم ـ على حرارة رؤوسهم ـ ودودون، صبورون، يغالبون حركاتنا وإزعاجنا بأبوّة. لم يكونوا يبيعون فحسب، بل كثيراً ما يتدخلون فيما يحدث خارج المحل، ليفضُّوا نزاع الطلاب، و “شبقاتهم”. تضيق ذممهم حتى عن “القرشين”، ويعدّون “الباقي” ببطء محاط بصراخٍ طلاب آخرين..!

“أبو عبدالعزيز”، الحاج محمد مهدي الفرج، واحدٌ من هؤلاء الذين كان لأجيال كثيرة نصيبٌ في التعامل مع بساطتهم وطيبهم وعفويتهم.

مضى أكثر من 40 سنة، وما زلتُ أتذكّر “أفخر” ما اشتريتُه من دكانه.. كان قلم حبر ماركة “بيجو” بريال واحد، وعلبة حبر بريالين ونصف الريال.. لكنّ كلّ أبناء جيلي اشتروا منه، قطعاً، الورق الحجازي المسطّر لاستخدامه في الامتحانات..!

حبيب محمود

‫3 تعليقات

  1. إضافة بسيطة لما تفظل به اخواني الأعزاء . في الجانب العائلي، جمع الفقيد الغالي إضافة إلى محبة الجميع ابوة معظم عائلات البلد من خلال أبنائه واحفاده حفظهم الله من كل سوء من جانب وبالنسب و القرابة من جانب آخر فقلما تجد أحدا في يومنا هذا لم يقترن بالوالد ابوعبدالعزيز رحمة الله عليه والتي تخطت حدود بلدته العوامية.
    رحمك الله يا أبي العزيز و تغمدك بواسع رحمته وحشرك الله مع محمد وال محمد عليهم السلام و نسأله أن يعيننا على فقدك بالصبر.

  2. نشكر لكم التعليق والملاحظة القيمة، ونرحّب بما تودون كتابته بالتفصيل الذي ترونه عن الحاج أبي عبدالعزيز، تغمده الله برحمته، وربط على قلوبكم بالصبر والسلوان.

  3. الوالد الحنون المؤمن ابو عبدالعزيز كان يمثل – بما عاصره من احداث – تاريخ حي للبلدة ، كان مرجع لكثير من الباحثين والمحققين، هذا بخلاف جوانب شخصيته ، فعلى الجانب الأيماني -وعلى عجالة-كان الوالد عابدا زاهدا تقيا يحفظ تلك الادعية الطويلة كدعاء كميل ودعاء العهد ودعاء الصباح على ظهر قلب، من الملتزمين بصلاة الجماعة حتى في كهله، اما الجانب المهني ، فقد كان يعمل – مع ما ذكر بالمقال – في الغوص (ولا ننسى قصة الدانة ) ولديه مزرعته الذي يزرعها، ونخله المعروف (بالوصيفي) وكل ذلك كان نتيجة لعمله وعصاميته.

    هذا لمحة صغيرة من تاريخه لهذا ارى ان الاخ الاستاذ حبيب محمود لم يوفق في اختيار عنوان المقالة يناسب الجوانب المهمة من شخصيته.

    رحمك الله ابي الحنون والى جنات الخلد.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com