لا الوعظ ولا القانون يخلقان مجتمعًا نظيفًا

سالم الأصيل

“الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده”. هكذا يقول عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي.
التجربة الاجتماعية، من خلال الدراسات التي توصل إليها علماء النفس والاجتماع، فضلاً عن الاستقراء الناقص والأمثلة العشوائية المأخوذة عن طريق الملاحظة، ترجّح كفة هذه النتيجة على سواها.

المتابع والمراقب لحال المجتمع يعرف هذا جيّدًا، حتى فيما يبدو أبسط الحالات والظواهر الاجتماعية السلبية. منها على سبيل المثال: القيام بتوسيخ الأماكن العامة، هذه الظاهرة التي صار الكثير يتحدث منـزعجًا منها في وسائل التواصل الاجتماعي تعقيبًا على كلّ صورة تُنشر فيها تفضح تفشي هذه الظاهرة حتى تكاد أن يرجح المرء أنّها من فعل السواد الأعظم من الناس.

حقَّ للمتذمرين من هذه الظاهرة أن يقولوا ما شاؤوا، فهي مظهر يقرّب المرء إلى الحيوان أكثر منه إلى الإنسان، لكن كيف يجابه الناس هذه الظاهرة ومثيلاتها في ردود أفعالهم العفوية التي لا تعدو عن إبداء الانطباع. الانطباع الذي يعبّر عن دخيلة المرء وموقفه من ظاهرة ما، ناقلاً إيّاه من الحياد إلى الانحياز إلى فريق من الفرق الاجتماعية.

كلٌّ يعبّر عن انطباعه انطلاقًا مما يسمى بالإطار الفكري. فريقٌ يعبّر بالوعظ والتوجيه والإرشاد والتذكير بأنّ “النظافة من الإيمان” أو ما يضارعها في الإنجليزية بصيغة مبالغة تتجاوز (مِن) التبعيضيّة بالتعبير الذي أصله دينيّ شرقيّ فيما يبدو: “Cleanliness is half of faith” أي نصف الإيمان.

فريقٌ آخر يرمي الكرة في ملعب “الحضارة” فيُذكّر ملقي القمامة على الأرض وفي الشارع بأنّ هذا تصرف ينافي الأخلاق والسلوك المتحضر. ضاربًا المثل بالغرب والبلاد الغربية متحسّفًا بقول عبارة تعبّر عن المفارقة و”الغيرة الدينية”: “أما تستحوا؟! بلاد الغرب و(الكفّار) نظيفة، وبلاد المسلمين قذرة!”.
وأحسب من النافع لمن أرادها وعظًا في السياق استحضار تعريف الحضارة الطريف الجدير بالتأمل للروائي البريطاني برايان ألديس المعروف برواياته في الخيال العلمي، إذ يقول في إحداها: “الحضارة هي المسافة التي وضعها الإنسان بين نفسه وبين فضلاته”.

ثالث واقعيّ أكثر من سابقَيه يرى في “القانون الرادع” من خلال الغرامات والعقوبات الجزائية الحلّ النهائي لهذه المشكلة، مذكّرًا بأنّ “مَنْ أمِنَ العقوبة أساء الأدب”.

ولكن هل هذا كافٍ لإنهاء مشكلة من هذا القبيل ذات أبعاد اجتماعية ونفسية وحضارية وثقافية؟

إذا ما علمنا أنّ “الأخلاق ما هي إلا نتيجة طبيعية من نتائج الظروف الاجتماعية” كما يفسّر الدكتور الوردي، هو الذي يوضح أنّ الغربيين لم تتحسن أخلاقهم بإرادة أو رغبة، إنما “تحسنت ظروفهم الحضارية والاقتصادية فتحسنت أخلاقهم تبعًا لذلك.” حسّن الظروف والبيئة الحضارية، واعتنِ بتربتها، واخلق أجواءها وما يساعد في تنميتها، وازرع ثقافتها، تَنْمُ هي تاليًا.

هو يقول إنّ من الظلم انتظار كادح يكاد أن يكون مُعدِمًا يعيش في كوخ صغير أن يكون مهذبًا أو نظيفًا أو صادقًا. فهو يرى اضطراره – من زاوية هذا الفقير- إلى الكذب والعشوائية وبل والسرقة حتى إلى جانب كلّ التصرفات والسلوك الذي يراه الميسور الموفور والمُرفّه سلوكًا ينافي الدين والأخلاق والحضارة والتقدم، بينما يراه الفقير المُعدِم – الحانق على كلّ شيء حضاري يرى الافتراق بين حاله وما حوله، خصوصًا إذا ارتأى أنّ حاله ناجم عن انعدام العدالة الاجتماعية، – ترفًا ودلالاً، وأنّ ثّمة ما هو أولى للحديث عنه، من هذا الفعل الصغير الذي يراه الناس كارثة، من واقع يُسرِهم وتفرغهم للكماليات ومظاهر الرفاه.
هذا الكلام ليس بعيدًا عن الصحة، إذا ما ولجنا إلى نفسية وذهنية الفقير والمستاء من “قَدَرِه”.

خصوصًا بوجود ظنٍّ أرجّحه في بعض الحالات، وهو أن ذاك الذي لا يجد العدالة في تطبيق النظام والقانون بالمساواة بين الجميع، يتحيّن الفرصة ويستلذ مخالفته وكل تمثُّلٍ من تمثلاته كضرب من ضروب التحدي، وفرض المساواة بصورة قسرية ولو بكسر مكانة القانون. ستبدو حينئذٍ كنوع من الانتقام من جهة اعتبارية متمثلة في قانونها.

ولكن قد يعترض على هذا الكلام معترض، ويدلي بشهادة لا تتّسق وهذا التحليل، كما أفعل الآن، إذ إني رأيتُ مرارًا وتكرارًا الأوساخ تُرمى من سيارات فارهة بأيدٍ كبيرة، ليس الفاعل طفلاً مشاغبًا، إنّما طفلٌ كبير، في ثياب رجل، فما دخل الفقر ونفسية الفقير في صناعة هذا السلوك؟

في المقابل، نجد فقيرًا بالكاد يملك قوت يومه لكنه يتمتع بسلوك منضبط، دون أن يكون خائفًا من العقوبة أو المحاسبة، فالاختبار الحقيقي للإنسان في مثل كل الحالات؛ إنّما يكون وهو بعيد عن الخوف من قوائم الحساب، الاجتماعي، والقانوني.

يجيب أحدهم وهو يرمي الأوساخ على الأرض وبالقرب منه سلة مهملات لا تتجاوز بضع خطوات معللاً تصرفه بثقة من صحة ما قام به: “والبنغالية وش شغلهم؟ ياخذوا راتب على ويش”.

يبدو لي إنّ أعقد الأمور معالجة جهل مركب كهذا، أو موقف – إذ ليس بالضرورة أن يكون محض جهل- معقّد متراكب الطبقات، فصاحبنا هذا لا يعتبر ما يقوم به خطأ، حتى يُمطَر – كما يفعل معظم الناس – بوابلٍ من المواعظ التي لا تُسمع فضلاً عن أنّها لا تُجدي.

أتساءل أحيانًا حيال هذا التناقض الصارخ بين نظافة الملبس وأناقة المركب وقذارة السلوك، فيهيأ لي أنّ النظيف، نظيف من الداخل بالضرورة، داخله نظيف، فتجده لا يرمي الأوساخ إلا في أماكنها المخصصة، حتى لو لم يجدها قريبة، فهو يرى نظافته في عمقه، ويرى الحياة والشارع انعكاسًا لباطنه، صورة من صوره، وبالتالي لا يرضى بأن يرى نفسه متسخًا، فضلاً عن أنّ السلوك المدني – بفرض مدنية المجتمع – يأنف من منظر الاتساخ المقزّز.

أم أنّ الإنسان في سلوكه: عادة، ثقافة، حسٌّ مسؤول، ولكن هذه كلها متولدة عن الظروف التي صنعت سلوكه وصقلت جوهره؟! وقبل ذلك البيئة التي عاش ونشأ فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com