منابر للصراخ المؤقت.. وأخرى للزمن

حبيب محمود

كلّما انتعشت مهنة، أو انتشر فنّ، تخالطت الجودة والرداءة، وتشكَّلَ هرمٌ طبيعيٌّ ذو قاعدة وقمة، وما بين القاعدة والرأس، تنفرز المستويات.

والخطباء الذين جُلِدوا هذا العام، كما هو الحال في كل موسم عاشوراء، ينسحب عليهم هذا الواقع، واقع الهرمية، قمة الهرم، الطبقة الوسطى، القاعدة. مثلهم مثل الأطباء، الأدباء، الحرفيين، الفنانين.. وهلمَّ تعديداً وتفصيلا..!

لكلّ منهم طريقته في الأداء والممارسة، ولكلّ منهم مصادر كوّنت أوليات فهمه، وصقلت مهارات اشتغاله. لكنهم لم ينزلوا بمظلاتٍ من وراء الغلاف الجوي، بل خرجوا من البيئة التي “يعملون” فيها. البيئة الحاضنة هي الصانعة. إنهم منها وإليها. لن يُقدِم أحدٌ منهم على ارتقاء منبر لو لم يتقرفص أمامه “المستمْعَهْ”، ويبارك نعيه منتظرو العَبرة والعِبرة..!

ولأن التفكير الجمعي في البيئة ـ أي بيئة ـ يفضّل أعراف المجتمع على المعايير الموضوعية؛ فإن كلّ صاحب مهنة ـ أو فن ـ سوف يجد من يقول له “أحسنتَ”، كما سوف يواجه من يناكفه ويستحثّه أو ينقد اشتغاله. وهذا ما يفسّر ظاهرة في كل مجتمع، إذ لكلّ “خطيب” جمهوره والمصغون إلى ما يطرح بالتمرير والقبول، بل والمنافحون عن “شخصه” و “صفته” منافحةً لا تقبل نقد ناقد ولا ملاحَظة ملاحِظ..!

تحكّم العُرف في الرأي معضلة قديمة، ولا جديد فيها، سوى تزايد أعداد الخطباء عاماً بعد آخر، وتزايد المتحمّسين للهجوم والدفاع. وكلُّهُ يُردُّ إلى معطيات الظاهرة، ظاهرة انتعاش مهنة الخطابة، وتكاثر أصحابها، والناس يُلهيهم مثل هذا التكاثر، ويلهُّون أنفسهم بالهرج والمرج، وخلط الصراعات الخفية بما يطفو على السطح. فيبدو الأمر وكأنه منافحة عن قيمةٍ من القيم، لكنه شكلٌ من أشكال المخاضات المؤقتة.

صراخٌ يتضارب، وضجيجٌ يُهوِّل أبسط الأمور، وانفعالات ما أنزل الله بها من معنى، وفرقاء أوفياء لهوايات الجدل. وفي النهاية؛ يعمل الزمن عمله المعتاد، سوف تستمر الجودة، وتيبس أوراق الرداءة..

لا تتناحروا في شأن الخطباء.. الزمن كفيلٌ بفرزهم. مثلهم مثل الشعراء، الفنانين. مثل كل أصحاب حرفة ومهنة وفن..!

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com