منعاً للشؤم.. أزواج في القطيف منعهم “الحرَس” من رؤية زوجاتهم “ليلة الدخلة” فتوى فقيه أوقفت موروثاً اجتماعياً ممتداً منذ عصر الجاهلية

إعداد: فيء السنونة

تحرير: ديسك صُبرة

في ليلة زفافه؛ لا يرى حتى وجه زوجته، وعليه أن ينتظر حتى مطلع الفجر ليكون من حقه أن يراه ويلمسها، ويحدث بينه وبينها ما يحدث بين الأزواج..

هكذا كان بعض الأزواج في القطيف، قبل عقود طويلة، ممنوعين من الاقتراب إلى زوجاتهم ليلة الزفاف، والسبب هو وجود “حرَس” معهما في غرفة النوم..!

فتوى

في منتصف الثمانينيات؛ استفتى بعض الأهالي في القطيف، الفقيه العراقي المرحوم السيد أبا القاسم الخوئي في مسألة غريبة؛ هي حكم وضع حراسة على الأزواج ليلة “الدخلة” حتى مطلع الفجر. هدف الحراسة؛ هو منع حدوث ما يحدث بين الأزواج في هذه الليلة تحديداً..!

ليلة الدخلة تحديداً.. لماذا..؟ لأن حدوث ذلك نذير “شؤم” في فهم الناس، ومصدر هذا التفكير عادة معتادة، حرص الناس على التزامها. والسبب هو أن الزوجة خرج منها دمٌ يُشبه دم الحيض في يوم ولادتها، وعلى هذا الأساس؛ فإن كلّ مولودة يُصيبها ذلك؛ تخضع للحراسة ليلة زفافها، كشرط من شروط الزواج..!

وقد تبادل الناس ردّ المرجع الخوئي، وقتها، فقد حسم الأمر، بإيضاحه أن ذلك مما لا يجوز شرعاً، وأن ذلك من عادات الجاهلية.

ومنذ تلك الفتوى؛ وهذه العادة آخذة في التراجع، ولم يعد لها وجود في الوقت الراهن، إذ لا أحد يفرض حراسة على ابنته ليلة زفافها، ولا أحد يفكّر على الطريقة التي كانت سائدة في مجتمع القطيف ـ ربما ـ لقرون طويلة.

يمكن وصف العادة البائدة بأنها من أزمنة الخرافة، حين كان الناس يربطون ما لا يمكن ربطه في تفكيرهم، ويرتّبون سلوكاً غير منطقي على أنفسهم، تحاشياً لـ “الشؤم”، أو رغبة في الخير.

ليلة الممنوع

وهكذا تتعاقب السنين سريعاً وتغادر أجيال، وتتلوها أجيال جديدة، وكل جيل يغادر تتلاشى معه بعض العادات الاجتماعية والتقاليد الشعبية، لكنها تبقى محفورة في ذاكرة الأشخاص؛ لأن لها دوراً كبيراً في صقل تكوينهم الشخصي والاجتماعي.

وعادة “الحراسة” من ذلك، ولم تكن ليلة زفاف العروسين هي الليلة الأولى التي يلتقي فيها الزوجان فحسب؛ بل كانت ليلة “الممنوع” الأولى لـ “الخلوة” واللقاء الزوجي. لا بدّ أن يرافقهما عدد من النساء الكبيرات عمراً، لقضاء الساعات الأولى من ليلة الزفاف حتى مطلع الفجر.

لم نفعل شيئاً

ومن بين الزوجات الحاجة “أم صالح” التي تستذكر ليلة زفافها بابتسامة، فقد تزوجت في سن 13 ربيعاً، ودخلت غرفة نومه “مزفوفة” برفقة 15 امرأة من نساء الحي، وبعضهنّ كنّ من “الحرس”. وتؤكد “أم سعد” أنها لم تفعل شيئاً، كذلك زوجها الذي خضع للأمر، امتثالاً للعادة.

ولا يخلو الموضوع من طرافة، وتذكر الحاجة “أم عمار” أن زوجها عندما تقدم لخطبتها سأل أهله أهلها عن وجود “حرس لها ليلة زفافها، وأبدى رغبته في عدم وجودهم، وإلا فلن يرتبط بها. وهذا ما تمّ.

ويُفهم من كلام الحاجة “أم علي” أن العادة بقدر ما كانت قوية؛ فإن بعض أفراد المجتمع كانوا لا يرون فيها أهمية ولا أثراً، ويمكن للزوج ـ أو أهله ـ أن يرفضوا شرط “الحرس”، وعلى هذا يدور نقاش بين قبول ورفض، من أحد طرفي العريسين، وقت الخطبة، وقبل عقد القران.

أزواج متحايلون

في قصص الناس القديمة الكثير مما يمكن وصفه بـ “مغامرات” أزواج ليلة الزفاف.. أزواج رفضوا العادة الغريبة، وفي الوقت نفسه لم يمتلكوا الشجاعة في رفضها أمام أهل الزوجة. ولهذا كانت اللجوء إلى “التحايل” هو الوسيلة للتخلص من مجموعة نساء غريبات يشاركن الزوجين غرفة النوم، ليلة الزفاف..!

تقول القصص المتداولة شفاهياً؛ إن أحد الأزواج اتفق وصديقاً له على فكرة ذكية للتخلص من “الحرس”. وبما أن العادة هي بقاء النساء الأجنبيات حتى مطلع الفجر؛ فإن الحلّ سهلٌ، وذلك بأن يقوم صديق العريس بأداء الأذان في مكان قريبٍ في منتصف الليل.

حين سمعت النساء الأذان؛ حملن أنفسهنّ وخرجن من الغرفة، فما كان من الزوج إلا وضع مزلاج الباب من الداخل، لمنع عودتهن بعد تبيّن الأمر لهنّ.. وحين عدن فعلاً؛ كان الباب مغلقاً، والزوجان وحدهما في غرفة النوم.

مثل هذه الحيلة رُويت كثيراً في القصص الشعبية، تهكّماً على العادة. وكان بعض الرجال يفخرون بنجاحهم بخداع النساء الحارسات، وابتكار طرق لإخراجهن من عش الزوجية، في أهمّ ليلة من حياة كل زوجين.

تخلصت من أختي

الباحث في التراث عبد الله العبد المحسن؛ خاض التجربة شخصياً ليلة زفافه فعلياً، وتعامل معها بـ “لا مبالاة”، ويرى أن الحراسة كانت موجودة حتى وقت قريب، وكانت تهدف إلى زيادة الألفة وإزاحة الحياء بين الزوجين الجديدين، “داية” لتقضي مع الزوجين ليلة واحدة، أو ربما تمتد الحراسة حتى أسبوع من الزمان، بحسب كلام العبدالمحسن.

وحسب كلاه أيضاً فإن “الداية” تساعد الزوجين في تقديم الطعام وغسل ملابسهما وخدمتهما حتى ينتقلا من بيت أهل الزوجة إلى بيت أهل الزوج وهو ما يسمى بـ “الحُوّال”. وقد تكون الحارسة إحدى قريبات الزوج أو الزوجة، وقد تحصل على مال نظير خدماتها، لكنها في أغلب الأحيان تقدم خدماتها تكرماً وتلطفاً دون مقابل.

يذكر عبد الله أن أخته التي تكبره بثلاثين عاماً هي “الحارسة” التي رافقته في غرفة نومه ليلة زفافه، لكنّه طلب منها المغادرة، لأنه لم يؤمن بموضوع الحراسة، أو الحرَس.

جرأة العبدالمحسن في التخلّص من “الحرس” ليلة الزفاف لم تكن شائعة، معظم الأزواج يستسلمون للموضوع، خاصة أن بعض الأسر تضع ذلك شرطاً في ليلة عقد الزواج “المِلْكة”. وبالطبع؛ فإن الزوج إذا لم يجرؤ على رفض “الحرَس”؛ فإن الزوجة تظلّ صامتة مسلوبة الإرادة تماماً.

موروث مجرد

العادة لم تعد موجودة، والأجيال الجديدة بالكاد تعرف شيئاً عنها، ولذلك؛ تبقى ضمن ما يُدرج ضمن “الموروث” المنقرض، وفي هذا الجيل حلّت عادات جديدة. وهكذا؛ لكل جيل قيم مختلفة تتماشى مع اختلاف الفكر الاجتماعي والنفسي والحضاري للإنسان؛ لكنها تبقى موروثاً شعبياً في صورة بهية.

‫3 تعليقات

  1. المعذرة مع احترامي لصحيفتكم كان من المفروض وضع موضوع ذات قيمة وفائدة من هذا مع احترامي للكاتب ،وهذه العادة كما وهي ليس عادة ولا موروث بل خزعبلات تفعلها بعض الأمهات .

  2. الى نهاية الثمانينات تقريبا كان هذا الموروث الخرافي موجود قبل اندحاره كليا بعد ذلك..وسبب اندحاره لا يعود للفتوى مع جل الاحترام لها ولصاحبها رحمه الله وانما يعود السبب بشكل رئيسي لوعي الناس وانفتاح المجتمع على العلم والمعرفة وبالتالي رفضه لمثل هذه الخرافات وكذا كان اندحار ختان البنات كذلك

  3. تلم لم تكن عادة بل كانت نذور تنذرها أم البنت لسبب ما ولأنها ليس عادة فقد كانت غير معتادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

 

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×