“عيش الحسين”.. من زمن الجوع.. إلى زمن التبذير انتفت الحاجة واستمرّت العادة وتفاقمت حدّ الإساءة إلى النعمة

سيهات، القطيف: شذى المرزوق، صُبرة

“إللّي ينوحْ، واللّي ما ينوحْ؛ ياكلْ عيشْ لـِحْسين”.. هذا ما يقوله المثل الشعبي في القطيف. و “عيش الحسين” هو الطعام الذي يوزّعه الناس أيام عاشوراء، ومعنى المثل أن الذين يحضرون مجالس العزاء، سوف يأكلون “الرز” منى بكى منهم، ومن لم يبكِ..!

وُلد المثل من رحم العادات وفلكلور المجتمع الشيعي. و “عيش الحسين” و “عيش النبي” و “عيش الإمام” و “عيش الوفاة”.. كلها مسمّيات لذلك الطعام الذي يُطبَخ ويُوزّع على الناس باسم صاحب المناسبة.

في ذِكَر وفيات النبي وأئمة الشيعة كلهم؛ يحتفلون بإظهار الحزن والامتناع عن إظهار الفرح. ويُقيمون مجالس عزاء يخطب فيها خطباء مهمتتهم إبراز العِبرة واستنطاق العَبرة. فيبكي المستمعة متأثرين.

وبعد نهاية الخطبة، تهدأ النفوس، ويُجاءُ بالطعام فيأكل جُمهور الخطبة “المـِسْتِمْعهْ”. لا فرق بين بكى متأثراً وبين من لم يبكِ..! برَكة الطعام لا تفرق بين حابس دمعة ومُجريها..!

المنشأ

من حيث المنشأ؛ تُشبه عادة الإطعام في المناسبات الشيعية؛ عادة الإطعام والولائم لدى القبائل العربية. كلتا العادتين نشأت في زمن الفقر والجوع واستمرّت حتى زمان الرفاه..!

ولدى القبائل؛ وصول ضيف يعني إطعامَ القبيلة كلها، أو الحي كله. وهي فرصة للفقير والمسكين ليشبع، كما هي فرصة للميسور ليشارك. الأغنياءُ يطربون بالبذل، ويسجّلون ذلك باسمهم إكراماً لضيوفهم..!

ولدى الشيعة؛ تعني مناسبة “الوفاة” مثل ما يعني وصول ضيفٍ لدى البدو. فالأغنياء سوف يُطعمون الجميع، فقراء وميسورين، باسم النبي، أو باسم الإمام علي، أو باسم الحسين.. وهكذا..!

زمن الشبع

كان ذلك في زمن الجوع، واستمرّ حتى زمن الشبع. وبعد أن كانت الوجبات تُقدَّم في أماكن إقامة العزاء؛ باتت تُوزّع على البيوت، بلا استثناء. وفي الأيام العشرة الأولى من محرم، بالذات، بإمكان المنازل، كلها، أن تستغني عن الطبخ تماماً..!

وبعد أن كانت الولائمُ يموّلها الميسورون المقتدرون من التجار والملاّك؛ بات بإمكان الجميع أن يشارك، عبر الهبات والنذور وما يُشبه الاشتراكات المدفوعة، حباً في الحسين..!

وهكذا؛ تمرّ أيام عاشوراء والجميع يأكل “عيش الحسين”، من يبكي ومن لا يبكي، ومن “يتسمّع” ومن لا “يتسمّع”.. من يهتم بالحسين ومن لا يهتم..!

لم يعد المثل قادراً على حصر الآكلين..!

زمن التبذير

بدأت العادة في زمن الجوع، واستمرّت في زمن الكفاية والغنى، حتى وصلت إلى زمن التبذير.. وللأسف حتى هذه الظاهرة التي يرجو منها القائم على المضيف الأجر والثواب باتت لها سلبياتها أكثر من الجانب الإيجابي الذي يفترض أن تمثله.

إخوان الشياطين

الشيخ حسين الباشا القائم على مركز الحجة في سيهات يرى أن عاشوراء يجب أن يكرّس الاعتدال لا الإسراف.. مستشهداً بالآية الكريمة {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، والآية الكريمة الأخرى {كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.

ويقول “في أايام عاشوراء منّ الله علينا بنعمة المضائف المتنوعة في شتى الارجاء، ببركة الحسين عليه السلام، هذه النعمة قد تتحول الى نقمة، وإلى ذنب من الكبائر، وهو الاسراف، أو التبذير. وهاتان الخصلتان تُعاكس ما خرج الحسين عليه السلام من أجله، لأن الحسين يمثل الاسلام الأصيل”.

يضيف الشيخ منتقداً “الحسين في كفة، والإسراف والتبذير في كفة مع الشيطان، ولا يتفق التبذير والاسراف في ناصر الحسين عليه السلام، فاختر مع أي كفه تكون”.

وجبات تتكدّس

وعن ملاحظة تكدس الوجبات واهمالها في بعض المضائف قال أبو فاضل سكير المسؤول عن مضيف أبي الفضل العباس إن إتقان عمل القائمين على المضيف هو أحد الاسباب التي تمنع رمي الوجبة فلا يلام الفرد اذا قام برمي وجبة غير صالحة للأكل، كزيادة الملح فيها مثلًا. وعليه فعلى من يستعد لتحمل مسؤولية الاطعام وإعداد الوجبات أن يتقن هذه المهمة لئلا يتم رميها لاحقًا.

فوق الحاجة

بينما استنكر راشد الراشد أحد رواد المضائف أخذ الوجبات بشكل يتعدى حدود الحاجة ناصحًا بقوله “عليك أن تعلم مقدار ما تحتاجه أنت وعائلتك وتأخذ ما يكفيك بحدود الحاجة، لتحفظ حق النعمة لأنك بمجرد أن ترميها فأنت قمت بعمل لا يرضي الله ولا رسوله.

زكي مبارك نفى أن يكون الإسراف والتبذير من خطأ المضيف و “إنما الخطأ وارد بشكل كبير على من ينتابهم الطمع ممن يتقدمون للمضيف”.

ظاهرة مستمرة

وقالت ياسمين السيهاتي إن “هذه الظاهرة تناولها الكثير من عقلاء ومشايخ المنطقة ومع ذلك ما زالت مستمرة. وترى “يمكن للمضيف أن يقوم باتباع استراتيجية توزيع كأحد الحلول التي تضمن الحد من هذه الظاهرة”.

 

‫3 تعليقات

  1. للأسف يقصد أو بدون قصد تحول الإطعام من قضية مصاحبة وثانوية الى هدف وغاية بحجة خدمة الأمام الحسين والشعائر الحسينية وتم جعل الحدث نفسه وهو إحياء الذكرى بما تمثله من مبادئ وقيم واهداف نبيلة الى حدث ثانوي يمر مرور الكرام .
    لا أدري من المسؤل عن جعل القضية الحسينية عبارة عن مهرجان للطبخ والاكلات الشهية تتنافس فيه المضائف الدخيلة على مجتمعنا الذي ليس بحاجة لها أصلا ومن المسؤل عن اهدار المال والجهد وطاقات الشباب في فعل قد يكونوا مأثومين فيه وليسوا مأجورين بسبب الإسراف والتبذير .

  2. أحسنتم أجدتم وابدعتم تقرير جداً ممتاز ?
    وهناك ملاحظه : على منشأ هذه الظاهره ليس الجوع والفقر . وما تحدثتي به عن القبائل صحيح وجيد ولكن منشأ هذه الظاهره بعد القرائه الحسينيه هو ان هناك روايه عن الامام الرضا عليه السلام أمر أحد الشعراء ان يرثى الحسين عليه السلام وبعد الفراغ من المجلس امر باطعام الحظور .
    وهناك روايات اخرى في هذا الصدد .
    دمتم في خير وعافيه ولا حرمنا الله دعائكم

  3. السلام عليكم
    تعليقا على نقطة المنشأ

    الكاتبة حصرت السبب في نقطة
    زمن الجوع .

    بينما عادة الإطعام أمر مندوب له في روايات أهل البيت عليهم السلام .
    وهذا هو السبب الأساس برأيي لنشأة عادة المضايف في المنطقة .

    والسبب الرئيس الثاني ربما
    هو مساعدة المعزين على استمرار
    ( اللطم ) على الإمام ع .

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com