أبو الوفا.. أين مفتاح المكتبة…؟!

حبيب محمود

يمكنني الاعتراف بأنني لم أكن أعرف اسمه؛ إلا حين نشرت “صُبرة” قصته قبل أكثر من عام. بل لم أنتبه يوماً إلى اسمه، طيلة أربعين سنة. كانت كنيته “أبو الوفا” ـ المنتشرة عوّامياً ـ هي كلّ ما علق في ذاكرتي عن اسمه، منذ دخلت مبنى نادي السلام أول مرة، سنة 1402، ضمن من ظنّهم المدرب المصري المرحوم حسن كُحلة صالحين للالتحاق بفريق كرة السلة.

وقتها؛ تجول المدرب في مدارس البلدة، ليختار الطلاب ذوي القامة الطويلة، ليُخضعهم لاختباراته، وينتقي منهم المناسب للعبة. بل كان كلّما رأى يافعاً ذا طول من أبناء البلدة؛ سأله “تِجيْ سلّة..؟”. وقد ذهب هذا السؤال عريضاً، في الإشارة إلى “الكابتن” الذي قدم الكثير لفريق السلّة في النادي، وأسهم في صناعة نجومٍ وصل بعضهم إلى النجومية الوطنية، أبرزهم المرحوم منصور البراهيم الذي درّب المنتخب السعودي في مرحلة من المراحل.

بالتأكيد؛ لم أحصل على أيّ حظ من كرة السلة ولا من رياضة من ألعاب النادي بيد أن الزيارة الأولى المستجيبة إلى طلب “الكابتن المصري” ـ حين زارنا في مدرسة قرطبة ـ هي التي أرتْ عينيّ ثانيَ مكتبةٍ “فرّحتني” في ذلك السن المراهق.

الأولى كانت للمرحوم الملا أحمد شيخ أحمد، وقد رأيتُها بحكم صداقتي لابنه علي (المهندس لاحقاً). ومنها قرأنا قصص الأنبياء، وأبهرتنا مجلدات “الكامل في التاريخ”، وكلاسيكيات الأدب ومؤلفات بعض القطيفيين، بالذات الدينية، مثل “أعلام العوامية في القطيف” للشيخ سعيد أبو المكارم، و”الصلاة في الإسلام” لشقيقه الحاج عبدالقادر أبو المكارم، وبعض مؤلفات أخيهما “الشيخ مجيد”، كما يُسمّيه الناس.

مكتبة نادي السلام؛ كانت أكبر، وأكثر تنوّعاً، وفيها ما يُحرّك فضول ذلك الجيل، من أعداد مجلة “العربي”، وملحقها البديع “العربي الصغير”، وسلسلة “الناجحون”، ومعجم “المنجد”.. مروراً بدواوين شعراء العصور الأولى، ووصولاً إلى مجلدات “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، ورائحة ورق الكتب وصمغ المطابع..!

كأنّما تساءلتُ: يا إلهي.. أكلّ هذه كُتب..؟! وكأنّما سألتُ عن وسيلة ريادة هذه المكتبة المغلقة أغلب الليالي.

وكم باء مشينا الطويل من “لـِفْتَيّهْ” إلى “غرب” بخيبة الباب المقفل. وربّما لكوننا في حكم الأطفال؛ كنّا نسلّي أنفسنا في “المشوار” الطويل بلعبة يُسيِّلُ تذكُّرها عينيَّ ضحكاً. كنا ثلاثة، الفقير لله، وعلي الشيخ أحمد، وعلي حسن فرج (المعلم في الصناعية لاحقاً). واللعبة هي حمْل بعضنا بعضاً ـ على الأكتاف ـ بالتناوب.. قسنا مسافة حمل كلّ منا بما يفصل بين أعمدة نور الشارع..!

مشهدنا المضحك؛ يتحوّل إلى جدّية خالصة بمجرد دخول النادي. كأننا لم نكن “نهرّج” في الطريق. ونزداد جدّية حين نحظى بدخول المكتبة.

ولمّا شكونا للمشرف الثقافي وقتها، المرحوم حامد السعيد، مشكلة إقفال المكتبة، ولمس منا جدّيةً في رغبة القراءة والاطلاع؛ أبلغ “أبو الوفا” بأن يعطيني المفتاح إذا طلبته في أي وقت. هكذا؛ وجدتُ الفرصة، لا بل وجدتُ بدايتي مع الكتاب، ومع الكتابة، ومع ما آلت إليه الأمور.

إنها العوامية في مطلع الثمانينيات الميلادية، ونادي السلام، ووضع جيل دخل ـ للتوّ ـ في تجربة اجتماعية أصفها ـ الآن ـ بـ “المعقدة”. والصورة المتبقّية من بعد قرابة أربعة عقود، ما زالت معجبة بوجود “أبو الوفا” في مشهد النادي، وديناميكية المرحوم جعفر الفرج، الرئيس، وغرفة اللجنة الثقافية و “امْشاهدْها” غرفة اللجنة الاجتماعية، وتلفزيون الصالة، وصالة التنس في الدور الأول، ورُوّادها أحمد المناسف وأبناء الزاهر، وأبناء العوامي.. والمكتبة..!

وما كان يعني الصبيّ المراهق، عندي، هو الغرفة الملاصقة لغرفة رئيس النادي. كتب، وصحف حائط؛ كان أسعد النمر (المعلم لاحقاً) من الحريصين عليها. و “ماهي الثقافة”؛ مقالٌ كتبه “أسعد” في صحيفة حائط؛ حرصتُ على قراءته. و “الحب ذلك المجهول”؛ قصيدة نشرها حامد السعيد، وقصيدة نثر أخرى لم أفهمها أيضاً نشرها محمد الصالح (المحامي). كانوا “كباراً” حين قلّدتهم في إعداد صحف لم أكن أعلّقها إلا بعد مراجعة حامد السعيد إياها.. كان أول رقيب صحافي بالنسبة لي..!

ثم صدّقتُ أنني “أمين مكتبة النادي”.. حاشا لله؛ لم أكن كذلك. كنتُ أفتح المكتبة وقتما أشاء نعم، ولكنْ سرعان ما أعاني زحاماً وفوضىً من زوّارها، فأعجز عن السيطرة، وتذهب نداءاتي أدراج تجاهل العابثين. وفي إحدى مشاهد الضعف والعجز؛ تعاطف معي المرحوم علي محمد مهنّا الزاهر؛ فطرد “المشاغبين” من المكتبة، فأنقذني مما أنا فيه.

وحين لا يحضر من ينقذني؛ فإنني ألوذ بـ “أبو الوفا”؛ فيفعل ما يمكنه فعله.

بالتأكيد؛ سبق وجود “أبو الوفا”، في النادي، ولادتي بسنواتٍ طويلة، ولستُ من المؤهلين للإدلاء بشهادة في حق وفاء هذا الرجل الذي رحل إلى رحمة الله قبل يومين. ولكنّ ما شاهدتُه في مشهد حضور تشييعه وإكرامه؛ يُشير إلى ما كان يملأ إجلال الناس، عبر أجيال متعاقبة في هذه المؤسسة الشبابية.

وعقد الثمانينيات، بما انطوى عليه من أحداث وأفكار وأوضاع، كان لـ “السلام” دورٌ بالغ الأثر في مجتمع العوامية. وقد لا أكون، أيضاً، مؤهلاً للحديث عن كثير من التفاصيل؛ إلا أن ما يُحسب لكثير من شباب ذلك الجيل؛ هو إحياؤهم لأنشطة ثقافية مهمة.

حين تتوقف الصورة عند منتصف الثمانينيات؛ تبرز في صالة التنس منصّة ثقافية؛ فعّلت مسابقات حماسة؛ تسابق عليها بعض شبّان البلدة. محمد الشيخ أحمد، محمد الصالح، اسعد النمر، نبيه إبراهيم (المهندس وعضو الشورى لاحقاً)، وغيرهم؛ رتّبوا منافسات وجوائز للفائزين. وأتذكر من المتنافسين جعفر خزعل (المعلم لاحقاً)، وحسن صخى (المهاجر إلى أمريكا).

ثم في الثلث الأخير من ذلك العقد؛ تطوّر النشاط، وتزاحم الشباب في اللجنة الثقافية، وبرز دور علي سالم ثويمر، إلى جانب أسعد النمر ونبيه إبراهيم، وآخرين نسيتهم. ومن نتاج تلك المرحلة أمسيات شعر، ومسابقات، بل وصدور مجلة مصفوفة بالآلة الكاتبة ومُخرجة إخراجاً صحافياً، ومن نسخة واحدة مُنع خروجها من مبنى النادي.. مجلة “الزارة”..!

ما الذي أثار الذاكرة؛ لأتذكر قصصاً أحاول أن أصنع من نفسي بطلاً في بعضها..؟!

مشهد الناس في مقبرة العوامية، أمس الأول، حرّك الكثير مما أظنّه منسياً، أو مخبوءاً. كان قبر “أبو الوفا” جامعاً لوجوه كثيرة جداً. وأغلبها لم أره منذ ثلاثة عقود وأكثر. كأن بياض شيب الوجوه؛ هو ما تحايلَ عليّ لأقرأ ـ بدوري ـ صفحة وجهي في مرآة السيارة؛ وأنا أهمّ بالمغادرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com