لماذا اختفت كلمات فصيحة من حياة سكان القطيف اليومية…؟! اللغة كائن حيّ.. وتموت إذا فقدت بيئتها

تغيّرت حياتنا من نمط البيئة الزراعية والبحرية والحرْفية؛ فمات جزء من اللهجة

عدنان السيد محمد العوامي

توطئة

من المسلَّم به أنَّ معاجمَ اللغة التي بين أيدينا صنعتها جهود أفراد، والفرد قاصرٌ، محدودُ القُدرة مهما بلغت إحاطته وعلمُه, فإذا أخذنا في الاعتبار سعة الرقعة التي جمع أولئك اللغويون لُغةَ سكَّانها، وتواضع الوسائل والإمكانات المتوافرة لهم، فضلاً عن اقتصارهم على تدوين لغة البادية بحثًا عما اعتبروه نقاء اللغة،  وإعراضهم عما سموها لغة (النبط)، وهم أهلُ الحضَر مدنًا وأريافًا، زعمًا بأنها لغة مشوبة، غير نقية، متجاهلين أنها اللغة الأغنى والأوفر حظًّا لما أتيح لها من التمازج والتلاقح بلغات أمم مجاورة ذات حضارات وعلوم.

الغريب أن أولئك اللغويين لم يتنبهوا إلى أن القرآن الكريم، والشعر السابق على زمنهم غنيان بمفردات أعجمية أدرجوها مضطرين في معاجمهم.

لهذا فإن القطعَ بوقوع الأخطاء والنقص في معاجمهم أمرٌ لا مشاحَّة فيه، بل هو قريب من الرجحان، إذا أخذنا في الاعتبار ما جاء في بعض دواوين الشعر من ألفاظ خلت من معانيها أوفى معاجم اللغة، كلسان العرب والقاموس، كما في ديوان العجاج، فقد احتوى على فهرس كبير شمل كل حروف المعجم، تقريبًا، بما ورد في الديوان من ألفاظ لم ترد معانيها في القاموس واللسان([1])، وهذا ديوان واحد، وبرواية راوٍ واحد هو الأصمعي، وإحاطة فرد واحد هو الفقير لله، كاتب هذه السطور، فكيف لو تولىَّ البحثَ والتنقيب جامعةٌ، أو مركز دراسات؟

اللغة كائن حي

أضف إلى ذلك أن اللغة كائنٌ حيٌّ له خاصية النمو والتطور والذبول، والانكماش، ثم الموت والتلاشي، وأظن أن أهم العناصر الموضوعية المعتبرة المؤثرة في تطور اللغة، أو موتها وتلاشيها، اختلاف البيئات وتحولها أو تطورها، وهذا ما يمكن أن نستنتجه من اختلاف مفردات كثيرة كان آباؤنا – وليس أجدادنا وحدهم – يتكلَّمونها، وقد اختفت من قاموسنا اليوم بسبب اختلاف بيئتنا عن بيئتهم، حتى شاع مصطلحا (اللهجة العامية)، واللهجة الدارجة لدى جُلَّة المثقفين المعاصرين بحسبان أن ما يسمعونه من أفواه آبائهم عامي، وليس فصيحًا، والذريعة لهذا التصور أنهم لا يجدونه في الكتب والمقررات المدرسية، وهناك من يعيب عليك التلفظ بكلمة لم يجدها في كتاب أو في معجم لغوي. من مِن شباب اليوم يعرف معنى: (مُردِي)؟ وبطان؟ وصَنو؟ وطِبْع، وساف؟

المُرْدِي:  خشبة طويلة تدفع بها السفينة، (بيئة بحرية)،

والبطان، شريط منسوج من الليف، ومكسوٌّ بالقماش تُشدُّ به عدة الحمار على ظهره، (بيئة حمالة ونقل)،

والصَّنُو؛ الصِّنو: الفسيلة تخرج من أصل فيسلة أخرى ملتصقة بها. (بيئة فلاحة)،

والطِّبع: النهر، (بيئة فلاحة)، والكلمة ما زالت مسموعة في العوامية، وربما في غيرها، يعنون بها السيبة، وهي نوع من مبازل المزارع.

والساف: كل صف من صفوف طبقات الجدار. (بيئة مهنية)، وكل صف من صفوف سعف النخيل (بيئة فلاحة).

وهكذا، ولأنَّ هذه البيئات قد اختفت اليوم، أو ابتعدت عن النظر في أحسن الأحوال، فمن الطبيعي أن تختفي آلاتُها وأدواتها، معها، وبانتقال إنسان اليوم إلى عالم آخر تختلف أدواته وآلاته، فلا غرو أن تختفي تلك الأدوات من قاموسه، وتحلَّ محلها أسماء أدوات أخرى من بيئته الجديدة.

مع مثقف

أذكر أنني – قبل سنين كنت (تنقرشت) بمثقفي القطيف، على سبيل المناكفة، فنشرت في مجلة الواحة مقالة من حلقتين بعنوان: (الفصحى والدارجة في القطيف بين العوام والمثقفين)([2])، قارنتُ فيها بين لُغة المتعلمين من مثقفين وكتَّابٍ وشعراء وخطباء، ولغة غيرهم ممن لا يحسنون القراءة والكتابة، وكانت مغامرة لم أحسب أنها تمرُّ بهدوء، لكن اللهَ سلَّم، فلم تُثر ما تهيبته من زوابعَ أثارها ما هو أقلُّ شأنًا منها.

وها أنذا أعود للهجة القطيفية ثانيةً، لكن من زاوية مختلفة؛ هي دخول مفرداتِها في الشعر العربي، فيحسن قبل الولوج إلى الموضوع لفت الانتباه إلى أنَّ بعض الشواهد التي سأوردها استقيتها من مصادرَ غيرِ محققة، ولهذا السبب وقع فيها كثير من الأخطاء الإملائية والتصحيف، فاضطررت لتصويبها وإقامة أوزانها. أما الهدف من هذه العودة، فهو تعريفُ المهتمِّين – من جيل الشباب – بلغة آبائهم، ومصطلحاتهم، فمن دون ريب أن كثيرًا منهم لم يدخل قاموسه اللغوي شيء منها.

————–

[1] ديوان العجاج، تحقيق د. عبد الحفيظ السطلي، مكتبة أطلس، دمشق، الطبعة الأولى، د. ت. جـ2/554 – 557.

[2] مجلة الواحة، العدد الأربعون، الربع الأول، 2006م.

غداً

الحلقة الأولى من أبحاث الشاعر العوامي، بدءاً من حرف الهمزة من قائمة المفردات

تعليق واحد

  1. بارك الله فيك وكثر الله من أمثالك. فلكم شُغِفنا بماضينا الأصيل ومفرداته الجميلة. والكثيرً من أولادنا وأحفادنا من يسأل عن ذلك التاريخ.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×