حجّي عبدالرسول المصطفى.. 98 عاماً في جوار “السافات” و “النقايل” أشهر بنّائي القطيف ودّع الحياة في بيتٍ بناه بنفسه.. ورفض مغادرته

القطيف: صُبرة

الصور الرئيسة: لـ: إسماعيل هجلس

عاش قرابة 100 عام، ولم يقبل أن يبات ليلة واحدة خارج مسقط رأسه، قلعة القطيف، حيث وُلد ونشأ وعمل، إلا مضطرّاً إلى سرير مستشفى، أو سفر. وظهر اليوم (الخميس) ودّع الحياة في البيت الذي بناه بنفسه، وأقام فيه.

عبدالرسول حسن أحمد المصطفى.. أو كما يُعرف، في مجتمعه، بـ “حجّي عبدالرسول”. “أستادْ البَنِيْ”.. أو “الأستادْ”، بالدال المهملة. وهذه الصفة تُطلق، في القطيف، على قائد فريق العمل في البناء التقليدي. وهي كلمة مشابهة لكلمة “اْمْعلِّم” في مصر وبلاد الشام، لتدلّ على القائد المسؤول، الأكثر خبرة ومهارة في الحرفة أو المهنة.

مصمم.. ومُنفذ

ورث المهنة عن أبيه الذي ورثها عن أبيه. وتدرّب أكثر على يد شقيقه “الحاج أحمد”. وتدرج في العمل من “بنّاي” إلى أن وصل إلى موقع القيادة، فصار “أستادْ”. وفي عرف البناء القديم؛ لم يكن “الأستاد” مجرد منفّذ، بل له دور فيما يُعرف اليوم بـ “التصميم”. يتلقى “الأستاد” طلب صاحب المبنى، في عدد الغرف، وعدد الأدوار، و طلبات إضافية. ثم يتولّى ـ بنفسه ـ تخطيط المكان، ووضع حبال متوازية بعرض الجدران، ثم يكلّف البنّائين بحفر أساس بعمق متر تقريباً لكلّ جدار، ثم يُوضع الحصى ومادة البناء (الجص سابقاً والإسمنت لاحقاً)، طبقة فوق طبقة.

مسؤولية “الأستاد” لا تنتهي بالتوجيهات، بل يتولّى بنفسه صف الحصى. كلّ جدار يتكون مما يُعرف بـ “سافات”. وكل “ساف” يتكون من طبقة من الحجر عليها طبقة من الإسمنت. ويتكون كلّ جدار من “سافات” متتالية، من الأسفل إلى الأعلى. لذلك؛ فإن صف الحصى لا يتولاه إلا “الأستاد”، أو نائبه. ويدخل في عمله تحديد مواقع “الروازن”. كما يتولّى الإشراف المباشر على صف “جذوع الأسقف”، ويُراقب التفصيل حتى آخر مرحلة من الإنشاء.

منظر خارجي لجدار بنظام “سافات” و “نقايل” يتضمن “روازن” (أرشيف)

منظر داخلي لجدار بنظام “سافات” تظهر فيه “الروازن” (أرشيف)

قائد وعامل

وعليه، أيضاً، إدارة سائر العمل، مع الفريق المكون من وظائف متعددة، علاوة على التعامل مع احتياجات الإنشاء، من مواد البناء، وكمّيات، والإدارة المالية، وتسليم الأجور، وتقدير الأرباح. وقبل ذلك كله؛ الاتفاق مع أصاحب المنازل على تنفيذ المشاريع.

“الأستاد” مالك مؤسسة مقاولات حرفياً، وبنّاء فعلياً. و “حجّي عبدالرسول” وصل إلى هذا المستوى، وعُرف ببراعته ودقته.

في القطيف

وحسب كلام ابنه “حسين”؛ فقد بنى “حجّي عبدالرسول” الكثير من المنازل، في قلعة القطيف، في حلة محيش، في الشويكة، ووصل إلى صفوى التي بنى فيها الكثير من المنازل.

والمنزل الذي توفّي فيه؛ بناه بنفسه. وقد اشتراه من ورثة السيد مجيد العوامي، وهدمه، وأعاد بناءه من جديد ليعيش فيها. وبقي فيها حتى آخر لحظة من حياته، وتوفي ظهر اليوم.

وقد أمضى “حجي عبدالرسول” صباه وشبابه وكهولته في أعمال البناء، ولم يتخلّ عن مهنته إلا حين انهارت المهنة نفسها، ولم تعد مطلوبة في سوق البناء.

كان سوق البناء قائماً على طريقة البناء التقليدي طيلة القرن الماضي. ومع بدايات أرامكو بدأت طريقة جديدة في البناء تدخل قرى القطيف، باستخدام الطابوق، والخرسانة والمسلّحة. وبدت الطريقة أسرع وأقلّ تكلفة نسبياً، ثم صارت تنتشر في الأحياء الحديثة.

وشيئاً فشيئاً فرضت نفسها، خاصة مع ظهور الخرسانة الجاهزة. ولم يكد ينتصف عقد الثمانينيات حتى بات “البَنِيْ العربي” من الماضي، ولم يعد أحد يطلبه، وهو ما تسبّب في انهيار سريع للمهنة ذاتها.

و “حجّي عبدالرسول” توقّف مع انهيار المهنة، غير أنه تمسّك بالمكان الذي يعيش فيه، وبقي ساكناً منزله الذي بناه بنفسه في الحي المعروف بـ “الزريب” ضمن ما تبقى من قلعة القطيف التاريخية.

تمسّك بالمكان

واستمرّ “حجّي عبدالرسول” في حياته، وحين ظهر مخطط “الدخل المحدود” بنى بيتاً فيه ايضاً، لكنّه لم ينتقل إليه، رغم إلحاح العائلة.

وحسب كلام ابنه، أيضاً، فإنه حافظ على التواصل مع أرحامه، واتباع نظام شبه ثابت في حياته، وحين داهمته أمراض الشيخوخة تعايش معها صابراً. وكان يعتبر القلعة أمه.

وبرحيله، ظهر اليوم، تكون قلعة القطيف قد فقدت آخر “أستاديْةْ” البناء التقليدي فيها.

بطاقة حياة

  • الاسم الرسمي: عبدرب الرسول بن حسين بن أحمد المصطفى.
  • الميلاد: 1/7/1346هـ، القطيف، القلعة.
  • الوفاة: 10/3/1444هـ، القطيف، القلعة.
  • العمر: 98 سنة.
  • توفيت زوجته قبل 23 سنة.
  • أبناؤه: عبدالعزيز، زكي، حسين، علي.
  • بناته: أميرة، فاطمة، منى، زهراء، نورة.
  • أستاذه في المهنة: شقيقه أحمد المصطفى.

التشييع إلى مقبرة الخباقة عصر اليوم

فريق البناء العربي

  • الأستاد: القائد: يصف الحصى على طبقة الإسمنت.
  • المُطاول: عامل فني يناول الأستاد الحصى من أجل صفه.
  • مُعاون الأستاد: فني يفرش، أي يضع طبقة الإسمنت فوق طبقة الحصى.
  • مُكسّر الحصى: الذي يكسّر الحصى ويجهزه للنقل إلى مكان الصف.
  • رافع الحصى: عامل ينقل الحصى إلى منطقة الصف.
  • رافع حشُوْ: عامل ينقل الحصى الصغيرة ويضعها في الفراغات بين الحصى المصفوف، قبل وضع طبقة الإسمنت.
  • المُغيّل: بنّاء خبير يعد خلطة الإسمنت. وتُسمى الخلطة “غِيلة“.
  • رافع الإسمنت: عامل ينقل الإسمنت إلى منطقة العمل.
  • المسّاح: عامل خبير المليّس.
  • الملقّم: عامل يناول المساح كرات أسمنت.

الصور التالية لـ: إسماعيل هجلس

 

قلعة القطيف تودّع آخر “استاد” في البناء العربي

القطيف: صُبرة

تناثرت الأنباء، منذ ظهر اليوم، عن رحيل الحاج عبدالرسول حسن أحمد المصطفى، الذي انتقل إلى رحمة الله، متأثراً بمضاعفات أمراض الشيخوخة، عن عمر قارب الـ 100 عام.

وأكد ابنه حسين لـ “صُبرة” تلقّيه خبر وفاة والده في الساعة 1.45 من ظهر اليوم، موضحاً أن العائلة باشرت إجراءات إكرامه، لتتمّ عصر اليوم في مقابر “الخباقة” غربي مدينة القطيف.

وبرحيل المصطفى تكون قلعة القطيف قد فقدت آخر “أستاديْةْ” البناء التقليدي فيها، وهو طريقة البناء المعروفة بـ “البَنِيْ العربي” الذي يقوم على نظام “السافات” و “النقايل” في تصميم وإنشاء المباني التقليدية. وقد توقّف هذا النوع من البناء منذ أواسط الثمانينيات الميلادية بعد تسيّد الخرسانة المسلحة و “الطابوق” على نمط البناء الحديث.

شكر خاص

تعليق واحد

  1. رحم الله الجار الطيب المؤمن الفقيد الغالي أبا عبد العزيز المحترم الذي لم نر ولم نسمع عنه إلا كل خير وكان في الواقع أيقونة يحتذى بها في النشاط والعطاء والجدية. رافقته مع والدي رحمه الله تعالى في أحد مواسم الحج منذ عشرات السنين والتقيت به في كربلاء المقدسة عند الضريح المطهر قبل سنوات عديدة مع والدتي رحمها الله تعالى فوجدت فيه الرجولة والشهامة والفزعة وحسن الرفقة فرحمه الله تعالى وجمعنا وإياه في مستقر رحمته آمين رب العالمين.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×