[مقال] أثير السادة: عاشوراء وخيول الأسئلة

أثير السادة

 

لأنها أكثر من مجرد موسم، أو مناسبة، أو فاصلة زمنية، ينشغل الناس بالكلام عنها في استفاضة بين الحين والآخر، ولأنها تتكلم بأكثر من لسان، وأكثر من مقال، وتصنع في المكان والزمان الكثير، يساجلها الناس، ويطاردونها بالأسئلة، هي هكذا “مناسبة عاشوراء”، ليست رؤية غيبية، ولا حدثاً تاريخيا، وإنما شأنا اجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، أي أنها معتجنة بالناس ويومياتهم، رغباتهم ومخاوفهم، انفتاحهم وانغلاقهم، حركاتهم وسكناتهم.

ولأنها كذلك، لا يمكن أن نضع لها أختاما ونغلق باب الحديث عنها، ليس الأمر بأن الناس منقسمون بين معسكرين، مؤيد ومعارض، بل الناس مقتنعون بأنهم صنيعة هذه المناسبة، والمناسبة هي أيضا من صنائعهم…لاشيء خالص حين يدخل في ساحة الناس، فكيف بحادثة تتسع آفاقها وتجلياتها كلما ارتحلت عبر الزمان والمكان.

قلت للأصدقاء، بأن الضجيج الذي يصاحب اقتراب الموسم وبدايته في أصله طبيعي، بل ودليل عافية، كنت أستعير مثل الجسد الذي يواجه المرض عبر مؤشر الحرارة، الأسئلة والشكوك هي ليست مرضا، بل إشارات واضحة لوجود ما يحتمل صفة المرض، تماما كما هو ارتفاع الحرارة، سخونة الأسئلة تترافق مع وجود مساحة تثير الكثير من الارتباك لدى الناس.

أتحدث هنا بلهجة محارب قديم، مل من مشاكسة الأصدقاء والغرباء في هذا الأمر، تزخرفت ذاكرتي في مطلع المراهقة بملحمة مطهري وتحريضات شريعتي، فكان قدري أن أمشي على جمر الشك في كل الفصول التالية..نحن بلا شك من طينة البيئات التي نمونا فيها، لكن الوقت الذي أخذ الناس في غربة الانفتاح جعلهم يستوحشون المسافة بين هنا وهناك، بين أمسهم ويومهم، بين ذاكرتهم وحاضرهم، وبات الوعي مسافة حاسمة في طبيعة المقاربة لهذا الحدث المتجدد.

الحدث برمته بالنسبة لي انتهى إلى حقل للتأملات، والاكتشافات، والبحث في حياة النص، فالموت المقدس انتهى إلى تواريخ ونصوص وممارسات مقدسة، لا يمكن الهروب من أمامها، أو التنكر لتأثيرها في صياغة واقع الناس ووعيهم.

هذه مقدمة فقط، لأقول بأني استشعر خيول الأسئلة وهي تركض في سباق الحدث، وأظن بأن الجواب عنها ينبغي أن يكون أكثر جدية وموضوعية، وأكثر تواضع وواقعية، وليس بالاحتماء خلف قول هنا وفتوى هناك، فواحدة من مشاكلنا هو الاعتقاد بأن سؤال التاريخ وسؤال اللغة، وسؤال الاجتماع، وسؤال الفلسفة، هي أسئلة مختصة بعباءة الفقيه، فكما أساء الناس للدين حين رفعوا سقف توقعاتهم منه، كذلك أساء الناس للفقيه وهم يدفعون به إلى ساحة غير ساحته.

أنا هنا ليس لأعترض على نفقات المناسبة، ولا شعائرها، ولا طرق تنظيمها وتسويقها، أنا هنا لأقول توسعوا في إنفاقكم واجعلوا فيه الإنفاق على مركز للابحاث والدراسات، مركز علمي، يمول دراسات محكمة لمختصين في مجالهم، لكي يعيدوا ترميم السير المفقودة، وتقويم السير المحرفة، ويختبروا تاريخ المناسبة وتمثلاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، فإذا كنا بالأمس نملك أن نمنع وصول الكتب والأسئلة المختلفة، ونحول دون ترجمتها، كوسيلة لقطع الطريق على شكوك الناس، فإن الفضاء اليوم مشرع لكل رغبات الفضول التي تثيرها المناسبة.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×