نهضة أوروبا وشيطنة المثقف

هالة الشماسي

قال لوثر للألمان: هذا البابا يضحك عليكم منذ مئات السنين، ويمصُّ دمكم مصّاً باسم الدين، وهو أبعد ما يكون عن الإيمان الحقيقي والتقى والورع.

هل تعلمون بأنه يعيش حياة البذخ والثراء الفاحش الذي نهى عنه المسيح والإنجيل قطعياً؟ وبالتالي كفاكم غباءً واتّباعاً للبابا والفاتيكان.

ثم قال: أنتم لستم بحاجة إلى رجال الدين، لكي تفهموا دينكم، أو لكي تفسروا الكتاب المقدس، فالمؤمن له علاقة مباشرة مع ربه وليس بحاجة إلى وسيط.

لقد انتهى عهد الوسطاء والسماسرة الذين يتاجرون بالدين والدين الحق منهم براء، إنهم يزيدون الشعب جهلاً على جهل وفقراً على فقر.

ثم قال: لا نعترف إلا بالإنجيل وكل ما عداه كلام بشري عرضة للأخذ والرد والغربلة والتمحيص، فكلام البابوات بشري وليس معصوماً على الإطلاق كما يزعمون.

ومن تلك الكلمات انطلقت شرارة عصر النهضة في أوروبا الغربية.

فما إن بدأ قسيس صاحب ضمير وعقل حر بانتقاد المنظومة الدينية في أوروبا وتبعه قسيسون آخرون، مثل جون كالفين وايراسموس وهولدريخ زوينكلي، حتى انقشعت عتمة الدجى من أوروبا وانتهت عصورها المظلمة.

وكان من أهم أسباب رواج الأفكار الدينية الإصلاحية لمارتن لوثر وغيره من المصلحين هو تزامنها مع اختراع العالم الألماني يوهان غوتنبرغ للطابعة.

بالإضافة إلى حركة ترجمة النصوص المقدسة من اللغة اللاتينية التي لم يكن يجيدها إلا المتعلمون من القساوسة والكُهّان إلى اللغات الأوروبية العامة الأخرى مثل الإنجليزية والفرنسية.

فسمح ذلك لبقية المسيحيين من غير الكهنة والقساوسة بقراءة النصوص بأنفسهم والحكم عليها بعقولهم لا بعقول غيرهم، مما أتاح تطبيق مبادئ دعوة مارتن لوثر.

ومن هنا نستطيع أن نتفهم سبب بقاء أوروبا في الظلمات قرابة ألف عام منذ القرن الخامس الميلادي الذي تسلطت فيه الكنيسة الرومانية اللاتينية على الحياة والفكر حتى القرن الخامس عشر.

العامة كانوا لا يملكون الكتب لقراءتها والنصوص الدينية كانت بلغة غير لغتهم.

والمعرفة نفسها كانت حصراً على من ينضم للمؤسسة الدينية، فإن وعى أحد المنتمين لتلك المؤسسة قصورها ومساوئها فولاؤه وتبعيته للمؤسسة. والخوف من الإقصاء قد يلحق به لو فتح فمه وانتقد تلك المؤسسة؛ إنهم يمنعونه من أن يحاول أن يوصل صوته للعامة.

ولكن الغريب والمثير للتعجب أنه على الرغم من مضيّ كل هذه القرون على اختراع الطابعة، وقد تلتها اختراعات لا تحصى تفيد التواصل الفكري والثقافي بين البشر، بِدءاً من المذياع إلى السينما والتلفزيون وأخيراً وليس آخراً الإنترنت.

الإنترنت تلك الشبكة العنكبوتية التي حولت العالم إلى قرية صغيرة؛ يُسمع فيها حتى رنين سقوط الإبرة في لحظتها.

إلا أن العالم العربي لا زال يقبع تحت سلطة رجل الدين الفكرية، ولا زال رجل الدين يهيمن على تفسير النصوص الدينية بادعاء أنه هو الوحيد القادر على ذلك.

وقد يكون هذا الادعاء هو آخر درع زجاجي هشٍّ يحمي به بعض رجال الدين مكانتهم الاجتماعية وسيطرتهم الفكرية على عقول الناس من الضياع والانحسار.

حيث إن دروعهم السابقة من تحريم كل ما فتحته التكنولوجيا من منافذ على العالم بَدَأَ من الراديو ووصولاً إلى الإنترنت قد كُسرت وتحطمت وتناثرت أشلاؤها حولهم.

فماذا بقي لديهم الآن غير تصغير وازدراء كل من لم يلبس زيهم ولم يدخل مدارسهم الدينية ووصفه بالجاهل والعامي.

كتب المدارس الدينية موجودة في جميع المواقع الدينية وغير الدينية في الشبكة العنكبوتية، ويستطيع أي مسلم أن يُحَمِّلها كمستند إلكتروني pdf)  ( في ثوان معدودة. كما يستطيع أن يُحَمِّل جميع الكتب التي تحمل انتقادات لأفكارهم وتفاسيرهم.

لكن في الحقيقة إن قام فعلاً أحد العوام وقرأ كل كتبهم بنفسه وحاول انتقادهم سيُشيطنونه ويلعنونه ويخوّنونه ويدَّعون انتماءه لأجندة خارجية خائنة وكافرة. فماذا يملكون الآن غير شيطنة المثقف وإقصائه.. ومنهم من تمادى حتى وصل إلى حد شيطنة الثقافة نفسها وشيطنة قراءة أي كتاب خارج كتب فكرهم. إنها آخر دروعهم الزجاجية الهشة، التي هي ليست فقط سهلة الكسر بل لا تستطيع حتى إخفاء الضعف خلفها.

‫2 تعليقات

  1. شكرًا اخت هاله على الموضوع الجيد وطرح مشكله عويصة لازلنا نعيشها ومقارنه موفقه

  2. في ظل هذا الانفتاح المعلوماتي العالمي، لا أحد يمنعك عن الاطلاع على أي علم كان طبيًا او هندسيًا او دينيًا او تقنيًا، بيد أنك إن أردت بهذا الاطلاع أن تصدري تشخيصًا لمرض أو تصفي دواءً للمريض أو حتى توصي أو تجري له عملية جراحية فلا أحد من عقلاء العالم يسمح لك بذلك إلا بعد أن تسلكي دروب الاختصاص الأكاديمي وتحصلي على رخصة ممارسة مهنة الطب وفي مقدار اختصاصك الفرعي ربما فقط، وهذا يحصل بعد تقييم أهل الاختصاص ام بالإجراءات والنظم العلمية لقياس أهليته لنيل تلك الرخصة. ولو قمتي بحجة ثقافتك الصحية واطلاعك الطبي بإعطاء تشخيص او وصفة او رأي فسوف يحاسبك القانون على ذلك، وثقافتك واطلاعك الطبي ليسا حجة مقبولة أمام القانون!
    وحال أي اختصاص بما في ذلك الاختصاص الديني او التقني لا يمكن إصدار فتوى من غير المختص بحجة إنه رأي او تنوير أو كسر احتكار لعلم معين اقتداءً بمارتن لوثر كنج او تيمّنًا بمن "ينعت" الأدوية والوصفات في المجالس لأنه جربها فراقت له وارتاح منها وعلى غيره أن يتناولها ليشفى من مرضه (ولعل ذلك الدواء يقتل غيره بسببه) وذلك لأن"العلم الناقص لا يجعله من ذوي الاختصاص.
    حال العلم الديني أو القانوني أو الطبي هو حال سائر العلوم التي تحتاج إلى التخصص لكي يطلق المتخصص رأيه (العلمي) وليس رأيًا بحجة أنه مثقف اطلع على كتب ذلك العلم فصار له الحق في إصدار رأي "علمي" وصارت رخصة الافتاء في ذلك العلم (ثقافة) بدلًا من هيئة معنية بإعطاء رخصة لأهلية إصدار أي متخصص في ذلك العلم.
    هل تعد هكذا هيئات احتكارًا "بابويًا" ضد المثقف؟! وهل تعد محاسبته قانونيًا واتهامه بانتهاك او جريمة على إصدار رأي علمي اختصاصي – بدون أن يمنح رخصةً لذلك- نوع وصاية او شيطنةً للمثقف؟
    هل يقبل عقلاء العلم ذلك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com