[1 ـ 4] الأمريكي الذي قرأ جلجامش

محمد الماجد

 

 وأنا مازلت في المئة والخمسين صفحة الأولى من هذه الرواية (الأمريكي الذي قرأ جلجامش)، إلا أني شعرت بأنه لا يجب عليَّ أن أذهب أبعد من ذلك، رجلاي لا تحملاني على المشي دون الالتفات إلى الوراء، وقلبي يقول لي: هيه.. ما عثرت عليه يكفي لتبدأ الكتابة، فقد كان الدكتور أحمد الشويخات، مؤلف العمل، سخيّاً في استعاراته الخلاّبة، وفي كسره لأقفال التراث العالمي، مئة وخمسون صفحة ممتعة، شعرت معها بأن برقاً جرح جناح اللغة وأشعل غيمة السرد، وخشيت -فيما لو أكملت وتقدمت أكثر- أن يغمرني الوهج فلا أعود أرى، أو أن أذوب مثل قطعة سكر تتقلب بقصد وبكسل بالغ تحت لسان فاتنة فلورنسية.

ولأجل هذين السببين: الوهج، والفاتنة الفلورنسية، قمت وخلال عبوري لهذه المئة وخمسين صفحة بوضع عدة أحجار كمعالم ((Mile Stones لكي أعود إليها إذا ما ضللت الطريق، ومع أنه أصبح من الواضح لي بأن هذه الرواية حتى الآن تعاني من النشاط الزائد لهرمون الأدرينالين بين سطورها، كونها مشغولة طيلة الوقت بسرد التفاصيل اليومية القلقة لحياة المترجم ديفيد بوكاشيو، الموظف في أحد معسكرات الجيش الأمريكي في العراق في الفترة التالية مباشرة لحرب 2003م، ومع ذلك، أقول هذا باطمئنان لا يخلو من ريبة وخوف من المستقبل، أعني الخوف من أي مفاجآت غير سارة من الممكن أن تصادفني في الثلاثمئة صفحة المتبقية حتى إنهاء رحلتي، أن استعارات الشويخات -حتى الآن-كانت كفيلة بالتحكم بمستوى الأدرينالين، وأكثر من ذلك، وعلى غير المعتاد في تناولي للعلاجات الروائية التي لا تتطلب أي تدخل جراحي، وجدت أن هناك أموراً أكثر بكثير مما سمح لي تصوري عن هذه الرواية، أموراً يمكن لي دائماً وصفها كتابة، والحديث عنها بسعادة بالغة، وبشكل ملح وغير قابل للتأجيل.

هل عليَّ أن أكمل؟، لا أدري لماذا شعرت بأنني بُحتُ بأكثر مما يجب لكاتب أن يبوح به وفي سطور قليلة، وكأنني نزعت صاعق مولوتوف يدوي وفجرت مخزني من الذخيرة دفعة واحدة، أو ربما لأن محمود درويش -وهذا هو الأرجح- كان في إحدى ردهات اليوتيوب ينشِد إلى جانبي وقد قرّر أن يمدّ لي يد العون “كلّما اتضح الطريق إلى السماء، وأسفر المجهول عن هدف نهائي، تفشى النثرُ في الصلوات وانكسر النشيدُ …!”، وكان من الجيد أن يكون درويش معي لير ما أرى ويسمع ما أسمع، فالشعراء أكثر تقديراً  لما يمكن أن يبدو شعراً أو سرداً أدبيّاً تم تكليفه، من قِبل مؤلفين كالشويخات، غالباً ما يقدرون قوى السرد الروحية، كوكيل لإطفاء الأوبئة والكوارث والحروب في بيئات سردية متوترة، ولديها الاستعداد الدائم للانفجار والتمدد، مؤلفون يحاولون القيام بالمهمات الإنسانية الكبرى نيابة عن السماء، أو ربما بالتعاضد معها، لا بوصفهم أنبياء، ولكن لأنهم مؤمنون بأن الكتابة ليست إلا ضرباً من ضروب الوحي … إنها، وباختصار، الألواح المقدسة التي يذخرونها دائماً لخلاص العالم.

ما زال درويش معي، وما زال في المئة والخمسين صفحة الأولى من الرواية متسع للاستماع إليه وهو ينشِد عن “تفشي النثر في الصلوات” و”انكسار النشيد”، ليذكرني بنشيدَين آخرَين، ملحمتَين استعان بهما الشويخات ليعين السماء على أداء مهماتها المتعلقة بالسلام ونشر المحبة في العراق، ولإنجاز هذه المهام، وبعيداً عن نشيد درويش الذي ما زلت أعاني لإيجاد تبرير مناسب للصقه هنا غير حبي له وصدفة تذكيري بملحمتَي الشويخات: الديكاميرون، وجلجامش، أقول لقد كان الشويخات مشغولاً على الدوام، وبعد أن تلقّف إشارة بنيوية من ذلك النوع الهيولي واللامع، في حفر عيون ومنابع معرفية لتغذي غابة السرد في روايته، ولأجل ذلك جعل من أحد أبطال روايته وهو المترجم ديفيد بوكاشيو سليلاً (شرعياً) لـــ جيوفاني بوكاشيو مؤلف الكوميديا الدنيوية الشهيرة (ديكاميرون)، لتكون هذه الكوميديا أول العيون، أو بالأحرى أول الاكتشافات، ثم واصل الشويخات الحفر، دون أن ينس بأن العبقري الإيطالي جيوفاني-كما هو شأن مواطنه دافنشي وكل من يولدون في فلورنسا- قد اختار أن يعالج الآثار الروحية المدمرة التي لحقت بإيطاليا وبكل أوروبا نتيجة لجائحة الوباء الأسود، بعمل عظيم تتحول بموجبه الكتابة إلى حالة من العزاء والمواساة لكل من يعاني من حالات الفقد ونوبات الاكتئاب، عمل تغادر فيه الكتابة منطقة الراحة إلى صفوف المواجهة الأمامية، وكأنها مجالد روماني، وكأن العالم حلبة من محترفي الجريمة والحيوانات البرية المفترسة.

وهَبَ الشويخات ديفيد بوكاشيو موهبة الترجمة كما وهبه موهبة أخرى: الشغف والتعلق بالأدب العربي  وملحمة جلجامش، ولا أدري ما إذا أراد الاثنان، أعني الشويخات وديفيد، من هذه الأخيرة أن تؤدي في العراق ذات الدور الخلاصي الذي أدّته الديكاميرون في إيطاليا؟، ولأعمل على تبسيط المسألة أكثر: لأفترض أن أرض الرواية، حتى حدود المئة وخمسين صفحة الأولى، وهي الحدود التي من المفترض أن يغادر منها ديفيد بوكاشيو العراق إلى سان فرانسيسكو، لأفترض أنها أرض محروقة، وهي كذلك بالفعل، الأمر الذي لا يحتاج لأي تفسير في ظل ولع الرواية حتى الآن بالمناطق الجغرافية المأزومة، وبمثال عصي على الترويض كالعراق، مثال مسجون في قفص من التعقيدات ذات الطابع الأزلي، فقد غطى دخان المعارك والمداهمات سهول الرواية، وكاد ماء السرد فيها أن يجف، لذلك كان لا بد من اجراء مّا لإنقاذها من التصحر وربما الفناء، أعني انقاذ الرواية، وكل حيوات الكتابة، خاصة كاست الرواية الذي تعب الشويخات كثيراً في تجميعه، وبتكاليف باهظة، مع ملاحظة أن أحداً منهم لا يريد أن يغادر غالباً لأسباب خاصة تتعلق بكلمات مثل التضحية، والإخلاص، والرغبة في إكمال مهمة المؤلف.

لذلك، وفي ظل الحاجة الماسة إلى إجراء، أو حزمة من الإجراءات إذا ما أردنا الدقة، كان لابد من نقلة مكانية أو زمانية في بنية النص، أو الاثنين معاً، لخلخلة الواقع، وفق نظام كرونولوجي مدروس حتى لا يصاب مجمل نظام السرد بالفوضى ويخرج بالتالي عن السيطرة، لأستعير كلاماً لكاتب وروائي عظيم مثل ماريو بارغاس يوسا في هذا المجال “… هذه أمثلة للنقلات المفاجئة والسريعة، أحداث آنية تمزِّق، بطابعها الإعجازي أو الخارق، إحداثيات العالم (الواقعي) وتضيف إليه بعداً جديداً، ونظاماً سرياً وغرائبياً لا يستجيب للقوانين العقلانية والفيزيائية، وإنما لقوى غامضة، فطرية، لا يمكن معرفتها، وحتى التحكم بها في بعض الحالات، إلا بفضل الوساطة الإلهية، أو الشعوذة، أو السحر”.  

إلى أي حد كان الشويخات مؤمناً بشروط يوسا الثلاثة: الوساطة الإلهية، والشعوذة، والسحر؟، هذا ما سأتركه أمانة في عنق الثلاثمائة صفحة المتبقية من هذه الرحلة.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×