رفقاً بالعصاة أيها الحسينيون

حبيب محمود

“في كلّ عام لنا بالعشر”.. جعجعة، مع الاعتذار للسيد جعفر الحلّي، الشاعر الذي ملأ شجنه المنابر والحناجر. فقد قال ـ رحمه الله ـ “واعية”، ولم يقل “جعجعة” التي أردتُ منها الإشارة إلى تسخين مواقع التواصل؛ بالمرافعات والمدافعات، وانفراز المتراشقين بين معسكرين، يتبادلان الرمي؛ بما لا يُعقل، ولا يُعقل..!

وكلّما هلّ هلال المحرم؛ وجدنا:

كلا الحيين ينصر مدّعيهِ

ليُلحقه بذي الحسبِ الصميم..!

كما يقول شاعر الخوارج عيسى بن عاتك الخطي.

التخالف المتجدد؛ دليلٌ على عظمة الحسين، على أن عظمة أبي عبدالله، عليه السلام، في غنىً تامّ عن هذا التخالف والتراشق واللتّ والعجن. بل في غنىً حتى عن أنصار لا يُحسنون نُصرته إلا بوسائل لا تقبلها أخلاقه وطينة التربية النبوية التي نبت فيها.

منذ طفولاتنا الأولى؛ تعايشنا مع السيرة الشريفة، ثمّ تنبّهنا إلى مؤاخذات تاريخية تخصّ واقعة كربلاء، احتدمت جدالات حول “زواج القاسم”، وتفاصيل على هذا النحو المتحفّظ على “الحقيقة التاريخية”، وتتابعت السجالات، بين من يحاول “التصحيح”، ومن يهتم بـ “التمرير”.

المنابر متفاوتة، من خطيبٍ يسرد ما يقرأه من كتب التاريخ والسير، إلى خطيبٍ آخر تشغله قضايا الفكر والاجتماع. وتتنوّع البرامج والفعّاليات، في أيام محورها هو الحسين.

حسناً؛ هناك أجيال تشبُّ وتشيخ، وأجيال تأتي. وما يجمع الأجيال ـ في رأيي ـ هو إجلال عظمة الحسين، واحترام شعائر الحسين. إلا أن طبيعة التحوّلات تُفرز تساؤلاتها، ليس حول مكانة الحسين، بل حول الوسائل التي يُعبَّر بها عن الحسين، وأشكال الممارسة الحسينية عند الناس، وعند المتصدّين لمنابر الحسين.

والمتصدُّون للمنابر بشرٌ، وإمكانيات تفكيرهم متفاوتة، وقدراتهم على التمييز بين التاريخي والفلكلوري متباينة. ولأنّ قضية الحسين عظيمة؛ فقد لحق بها ما يلحق بكلّ ما هو عظيم ومثالي من إضافات التاريخ المتلاحقة. هذه الإضافات تشرّب وجدان الناس بها، واحتفل بها نقلة المنابر دون تمحيص، وتداخلت أدبياتها المتوارثة والمتجددة، بجذور تفكير المجتمع.

والمجتمع لن يقبل ـ تحت أي ظرف ـ بالمساس بأي شيء له صلة بالحسين، صحّ أم لم يصحّ. حتى نقد خطيبٍ يتحوّل في “إحساس” كثيرين إلى نقد لمنبر الحسين ذاته، وليس نقداً لأسلوب أو طريقة صدرت عن بشر مثلنا.

وطبيعة الانفعال الجمعي مفهومة، خلط الحابل بالنابل متوقع، وتجاهل “الموضوع” وتركيز الهجوم على “الواضع” من الظواهر المعروفة في كلّ المجتمعات.

لكن ما ليس مفهوماً؛ هو جفول أكثر النُّخب عن التعاطي مع المشكلات والإشكالات، على نحو لائق بما يمكن أن نسمّيه أخلاقيات الحسين. فحتى العصاة لهم حقٌّ الرفق على المتشرعين، هذا إذا افترضنا ـ جدلاً ـ أن الذين ينشرون إشكالات أو تساؤلات من العصاة.

فرفقاً بالعصاة، بل رفقاً بمن التبست عليهم الأمور، بل رفقاً بأبناء الجيل الجديد الذين يُريدون أن يفهموا، لا أن يُلقَّنوا تلقينا. رسالة الحسين، عليه السلام، عظيمة، ومنبره مسؤول، وكلمته حق، وأخلاقه هي أخلاق أهل بيت النبوة الطاهر.

‫4 تعليقات

  1. الحمد لله رب العالمين..
    الإمام عليه السلام مدرسة لكل طوائف البشر ونحن نحث على ابرازها بأكمل وجه مطلوب حبا للإمام ومن يدعي ان العصاة ليس لهم وجود في المأتم فهو محض افتراء وكذب وهانحن نرا كل سنة من يسمونه بالعصاة هم من عليهم المعتمد في توزيع المأتم والتنظيم والطبخ وووو والهداية جاءت من حب الإمام الحسين عليه السلام لامن حب الخطيب او غيره وعليه ولم يسيء لهم أحد بتاتاً إنما الخطيب يوجه الشباب ويحثهم…
    وهذا النوع من الأساليب ماهو الا ضجيج وعجيج حتى يثار الغبار ولامن أحد في الدار

  2. كلمات رائعة ،،،
    جلاس المنبر بين عاطفي توقيفي على موروث مسلم به وهو الغالب واخر عقلائي وهم قلة منبره البحث والمعايرة بمعيار العقلنة تارة وتارة أُخرى بالوحي لتلك الاطروحات المتعلقة بالجانب الديني ،،،
    في النهاية ،، المنبر بحاجة لنهضة فكرية متوازنة تبني جيل ذو تفاعل فكري ناقد بموضوعية ،،،

    وافر الاحترام كاتبنا العزيزي ،،
    ابو مصطفى الحريري🌷🙏🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com