[2 _ 3] إنجيل داغستان

محمد الماجد

هل أبدو متحاملاً؟

كان من المفترض أن أختم مقال الأمس بهذا السؤال، وسيكون جوابي: ربما، فاللغة العربية والحرف العربي كانا أول ضحايا الـتأميم الشيوعي الذي شمل حتى طريقة لبس الشرابات والعلاقات الأكثر حميمية في الأسرة!، لهذا لم يكن من المستغرب أن تكون اللغة العربية التي كتب بها والد رسول (حمزة تساداسا) أشعاره الغزلية أول الضحايا، ولكني أحاول هنا أن لا أكون أكثر غيرة من رسول حمزاتوف خاصة وأن مؤشر محو الأمية بدأ يرتفع حتى بين القرويات مع بدء الحقبة البلشفية، هذا عدا المراكز الثقافية التي راحت تأكل سفوح الجبال والأودية القوقازية مثل فطر جائع، فالقوقاز وعلى الدوام كانت تشكل الحديقة الخلفية للعاصمة موسكو ولاستثمارات الكرملين الأعمق أثراً في الفنون والثقافة، كانت أشبه بمسرح بولشوي آخر تقع داغستان في قلب عروضه الحالمة، بدا ذلك واضحاً في كل سطر من سطور هذا الكتاب، وفي حماسة رسول الطافحة لعمله كرئيس لاتحاد الكتاب الداغستانيين وكنائب في الحزب الشيوعي في آن، فقد أنفق صاحب قصيدة (الغرانيق) نصف عمره المهني مقيماً في الدور الثامن من (فندق موسكو) وقريباً من قبة الكرملين.

بدا رسول معجوناً بالسياسة كما هو بالفن والكتابة، لا فاصل لديه بين الشعر والحياة، وللتعبير عن ذلك لن أجد في كل ما كتبه ونقله في هذا الكتاب أفضل من هذه المقولة الجبلية “حين لا يغنّي الرعاة تكف النعاج عن قضم العشب، لكن حين تعلو الأغنية فوق السفح الأخضر، ترعى العشب حتى الحملان الجاهلة التي ولدت للتو”، وكأن هذه الجملة الرعوية قد وضعت حجر الزاوية للفعل الشعري لديه، الرعويات والأغاني الشعبية هي من تمسك بجذوة النار إذن، ثم يأتي رسول والآخرون كقناصين وقاصّي أثر لا أكثر ولا أقل، أنا الآن أعود لأول مقال كتبته في هذه السلسلة في موسمها الأول لأتذكر مرة أخرى تلك الجملة الصادمة لـــ روسا كاباركاس مديرة الحانة التي كان يأوي إليها ماركيز: “ألحان البوليرو هي الحياة”، كانت البوليرو هي الأخرى أغان شعبية، ولم يسع ماركيز إلا أن يتفق مع روسا، تماماً كما فعل رسول مع أبي طالب، فــــــ “الشعراء فروع في غابة الشعب” كما يقول أحمد شاملو.

هذه الخلطة الشعبيّة التي من الممكن أن تُوصَف  كعقار مسكن للآلام الروحية، أعني الخلطة المكونة من أنفاس البوليرو والأغاني الرعوية وغابة شاملو، كانت ستعيدني إلى قصيدة (الغرانيق) في كل الأحوال، القصيدة التي كتبها رسول بعد زيارته لقلب هيروشيما الممزق للتو فعاد منها مريضاً، وهي القصيدة التي أصبح غناءها تقليداً سنويّاً في (عيد النصر) الروسي، أشهر من غناها وطنيّاً (ولمفارقة الحرب الحالية فقط) الأوكراني مارك بيرنز، وعلى المستوى العربي، كان صوت السوبرانو السورية سوزانا الوز قد منحها فرصة يوتيوبية نادرة للوصول لكل بيت، بيتي كان أحدها، فكان من الطبيعي والحال هذه أن تشاركني سوزانا إفطاري الصباحي لمرات عديدة، على الأقل كلما عدت للغرق في هذا المحيط القوقازي (دغستان بلدي)، لقد ذكرتني (الغرانيق)،  بقصيدة (المحرِّرون) لـ نيرودا، و(أوراق هيبنوس) لـــ رينيه شار، و(مديح الظل العالي) لــ درويش، قصائد طالما هشّمت مفاصل اللغة ودفعتها إلى حافة الجنون بحثاً عن حرية حالمة و(حقيقية).

بهذا المعنى، كنت أنظر إلى رسول حمزاتوف دائماً وكأنه مطرقة من البلاغة الصلبة، مطرقة لا تعوزها المهارة، وإذا ما أعارته العبقرية إزميلاً، وهذا ما قامت به بالفعل، فلن يكون من الصعب تصور ما كان يقوم به في جبال داغستان، حيث كان يعمل فيها بمخيلة نحات قادم من عصر النهضة، وكانت الأساطير تسيل من شقوق منحوتاته مثل نهر على المنحدرات وفي السهول المنبسطة، جارفة معها العادات، والحكايات، والشِّعر، والأغاني، وحتى القرى، من كل زاوية وجيب من جيوب داغستان الصخرية إلى أنْ تصل إلى منزل رسول، الذي لا يلبث النهر عند أعتابه أن يستحيل إلى محيط هائج من الأبجدية الآفارية، والتي سيتعيّن عليه، هو من بين كل آلهة الكتابة الداغستانية، أن يصلح كل مراكبها وسفنها المحطمة بفعل التيارات التاريخية حتى يستطيع أن يركب بها الموج ويحاصر بها اليابسة من حول العالم. وإذا كان أسد القوقاز الإمام شامل ونائبه الحاج مراد قد قاوما القياصرة لأكثر من ثلاثة عقود، مطاردَين في الجبال، غيرَ عابئَين بتهديدات موسكو، فإن رسول حمزاتوف في المقابل راح يناضل على طريقته الخاصة حتى آخر جندي وآخر قلبق من قلابق اللغة الآفارية، لغته الأم، ولكن من تحت قبة الكرملين هذه المرة.

ليس علي أن أنوّه بعد كل هذا الشرح بأن (داغستان بلدي) لم يكن أكثر من خنجر جبلي مشحوذ بأغاني الداغستانيات، ولم يحاول رسول غسله من آثار نضالاته حتى تحقق له ما أراد، وكأنه أراد أن يثأر لشامل ورفيقه ولكن على طريقته الخاصة، لم يشهد رسول بالطبع سقوط القياصرة، ولا مجيء لينين ورفاقه، فقد وُلِد في السنة السابقة لوفاة لينين، ولكنّه شبَّ والمدّ البلشفي في الأوج،  فشاهد بعينيه انقلاب الصورة، وكيف أن ألوية في الجيش الأحمر وأسراب طائرات ومعارك أصبحت تتوسّل بأسماء شامل والحاج مراد كتعويذات مقدّسة، في توظيف مقلوب ومريع لما تبقى من سمعة المقاومة القوقازية، تمكن رسول من رصد جميع هذه التحولات في كتابه هذا الذي جمع فيه  إلى جانب ما ذكرت كل كنوز داغستان، كل مهارتها في الصيد، كل ثروتها من الأساطير، كل ما يملك محاربوها من شرف وفتوة، ونساءها من جمال ورغبة عارمة في الغناء، حتى أصبح الكتاب لوحة فاتنة من الموزاييك الداغستاني يخجل كل قيشان يَزْد من الوقوف إلى جانبها.

حديث أمس

[1 ـ 3] إنجيل داغستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com