[1 ـ 3] إنجيل داغستان

محمد الماجد

ضفتان لهذا الكتاب، الأولى من نار والثانية من ماء، أو الأولى من ماء والثانية من نار، أو باختصار شديد: هذه داغستان بعدما حشرها رسول حمزاتوف بين دفتين من الورق المبتل بعناصر الطبيعة، يدعوها الإمام شامل للسهر حول مواقد النار في الجبال، ويسوقها مزمار أبي طالب إلى النبع وأحضان بحر قزوين وكأنها قطعان من الأغاني الضالة.

هذه هي داغستان إذن

وهذا هو إمامها شامل

وهذا هو شاعرها الشعبي أبو طالب 

وهذا هو كتاب

داغستان بلدي

بحر، قلاع صخرية، أساطير، نسور، مواقد نار، شاي، أغاني، كافيار، ونساء جبليات. كتابٌ عصيٌّ على التصنيف هذا الكتاب، لا هو إلى الشعر ولا هو إلى الرواية، لا هو إلى الجغرافيا ولا هو إلى التاريخ،  معلقٌ من إحدى يديه إلى شجرة من الأجناس الأدبية، ومن يده الأخرى إلى شجرة من العادات والتقاليد المتباهية بأزليتها، الكتاب ذو السحنة الجبلية هذا يتمتع بشاربين كثيفين ومعدة كتلك التي لعاصفة مدارية، ينتصب مثل تايفون قوقازي ضخم في سماء الكتابة ليلتهم كل ما يمر بجانبه، ومع هذا كله أصرّت دار (الفارابي) على نعته بـــ (الرواية) إمعاناً في تضليل القارئ، وظنّاً منها بأن هذا النعت ربما سيضع الكتاب في قائمة (الأعلى مبيعاً)، وكأن اسم رسول حمزاتوف وحده لا يكفي، وكأن الميكافيلية الثقافية أرادت -هذه المرة أيضاً- أن تعزز وصايتها على القارئ، سالبةً إياه أبسط حقوقه في التقييم والفحص.

ما استوقفني أكثر من مرة أثناء عبوري لهذا الكتاب، أنه حتى أولئك القراء الكسولون الذين لم يلبوا رغبة رسول للنزول والإقامة بين سطوره وظلوا مسمّرين إلى كراسيهم ينظرون إليه بعيون مطفأة، حتى هؤلاء المصابون بالعشى الثقافي كانوا سيلمحون سريعاً الأثر الذي تركته موسكو على صفحات الكتاب، وسواء كانت موسكو حينها عاصمة للاتحاد السوفيتي أو لروسيا الإتحادية كما هي اليوم، إلا أن عجينتها الروحية الرقيقة، والمعتقة بالخمائر السلافية ظلت طيلة الوقت تتقلب في مقلاتها الأرثوذكسية لتغري بروائحها النفاذة كل أولئك التواقين إلى التخلص من الوجبات الجاهزة للمطبخ الحزبي، كل ذلك كان يتم في أروقة خلفية غير مرئية وفي تقاطعات محطات الميترو السياسي عبر عقود من المعاناة، ولذلك يسهل التوقع بأن مدينة بمثل هذا الإرث لن ترتكب خطأً، حتى لو كانت تحت تأثير النوبة الاشتراكية التي أُصيبت بها مطلع القرن العشرين، كخطأ تجاوزها للقاءات الحضارية التي كانت تجمعها مع الشرق من جهة، ومع شرق وشمال أوروبا من جهة أخرى، وهي بوصفها اللوحة الأوراسيّة الأكثر شبهاً بتلك الفسيفساء التي  كانت تضيء لوحات ميخائيل غروبل، كان باستطاعتها دائماً أن تضيء طريق رسول وتقوده إلى ما هو أعمق بكثير من ذلك التاريخ الموحّد والوحيد الذي كتبه لينين ورفاقه بنزعة ثورية مرتكزة على الحتمية التاريخية وتصفية الماضي. 

هذه النزعة بدت حينها وشيكةً وجارفةً للحد الذي لم يكن أحد قادر على نزع فتيلها من الانفجار، وقد دشّنت (نضالها) كما كان مرسوماً بإصدار بيانات من أجل تعليب الثقافة المحلية ووضعها في دكاكين (حمراء)، لتقوم بتوزيعها لاحقاً في احتفالات عمالية على شكل بالونات فارغة إلا من رماد المسودات والتعاليم الحزبية، ولا أدري كيف لرسول أن يكون متحمساً كل هذا الحماس للمد الأحمر وهو المأخوذ حد العبادة بتلك الجملة الفلسفية لصديق أبيه الشاعر الشعبي أبي طالب “إذا أطلقت مسدسك على الماضي، أطلق المستقبل نيران مدافعه عليك”، فذلك المد الأحمر أو بالأحرى العصابي كان مستعداً دائماً حتى لهدم الكرملين فيما لو اكتشف أن قوقازيّاً ثائراً يختبئ بداخله، وحتى نحن بوصفنا متأخرين زمنياً عن ذلك الطوفان الذي ضرب العالم، إلا أنه ليس من الصعب علينا تخمين ما كان يجري في أحشاء المحيط بالرغم مما كانت تبدو عليه سفن التبشير الأممية حينها من وداعة مقنّعة، فالرعب الذي بدا سمةً ملازمة لتلك الحقبة استطعنا أن نلمح  كيف أن الألغام التي خلفها وراءه ظلت تفاجئنا بانفجاراتها المتكررة حتى بعد أفول الإمبراطورية الأم، ومثال حصار يلتسين وضربه للبرلمان الروسي على خلفية الأزمة الدستورية في العام 1993 ليس ببعيد.

في كل الأحوال، لم يحدث سوى ما كان متوقعاً، في الحد الأدنى لشخص مثل تروتسكي، بوصفه أحد رؤوس الثورة، إذ لم يكن من الصعب عليه توقع كل ذلك الخراب الذي شارك هو في جزء ليس باليسير منه قبل أن تدفعه خسارته لخلافة لينين إلى المعارضة، ثم المنفى، ليواصل الخراب على طريقته الخاصة، ولم تكشف التروتسكية الحانقة وقتها سوى ما كان معروفاً لدى الجميع من خروقات الثورة، وكيف أنها قامت بتعقب السلالات العرقية، ومن ضمنها القوقازية، حتى آخر مخلب قط، وكيف أنها عمدت إلى سجنها في محجرها التاريخي لأكثر من سبعة عقود، قبل أن يتحول المحجر بفعل ضربات البريسترويكا العشوائية إلى متحف لنزوات منظّري البروليتاريا، ومنجَماً لصنّاع الأفلام الباحثين عن مواضيع تتمتع بحس عالي من السخرية والمفارقات القدرية المضحكة.

لعل الجملة الشهيرة لــ برنارد شو في وصف تروتسكي وعلاقته بخصومه، وعلى وجه الخصوص ستالين، ستوجز لنا الكثير من أدبيات تلك الحقبة (عندما يقطع تروتسكي رأس خصمه، لا يكتفي بذلك، بل يحمل الرأس عالياً ويعرضه على الناس قائلاً: انظروا … لا يوجد دماغ بداخله!)، هذا الكلام يمكن وضعه على لسان لينين أو ستالين أيضاً دون أي شعور بوخز الضمير، حتى أن  منشور برنارد شو هذا يصلح للتعميم بشكل لا يصدق، بحيث أن شخصاً ما يستطيع فيما لو قرر التطوع في حملة مناهضة لحفلة قطع الرؤوس الجماعية تلك أن يطوي هذا المنشور ويدسّه في جيب رسول حمزاتوف مع تحية بحجم السماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com