[2 ـ 3] علوان وهجرتي من الكامبنو إلى الأنفيلد إنه عالم مختلف تماماً!

10/2

محمد الماجد

“.. أهرع بنفسي إلى إبريق النبيذ فأملأ كأسي،

ثم صرت أتبرع بملء كؤوس الآخرين.

وكانت غالا ترقص حافية القدمين على بلاط أملس ..”   

موت صغير/مزرعة فريدريك

تماثلت من حمى (سقف الكفاية) أخيراً، وبقي (موت صغير) يكر على مسبحة قلبي مثل ذكر من أذكار الكرّوبيين، لا أكاد أستقر على هيئة من هيئات ابن عربي وأنام على طيفها إلا وأيقظني الذكر على صدى آثاره في المخطوطات من حلب (646 هــ) وحتى بيروت (1433 ه)، عمل ضخم هذا (الموت الصغير)، كتبه علوان بلغة ميلودرامية متحرراً تماماً من الشاعر الخجول الذي كان يسكنه، ولم يكن موهوباً بما يكفي لمساعدته في الدفع بموجة السرد إلى أعلى، وبعد أن بذل أكثر من محاولة لصقل موهبته في أعماله الروائية السابقة ولم يفلح، وصل إلى عتبة (موت صغير) وقد تخلص منه وإلى الأبد وأصبح جاهزاً لمناجزة الكتابة الصلدة، فدخل على ابن عربي أعزلاً إلا من سرد جائر.

أما بالنسبة لشخص مثلي، ممن يهتم بتأثيث كل شيء باللغة والمجاز، فكان من المخطط أن يشكل هذا العمل اعتداء سافراً على محميتي اللغوية، كان سيفرغها من كل فصائلها النادرة، ولكنه لم يفعل، ببساطة لأنني تخليت عن حراسة محميتي لبعض الوقت في سبيل ملاحقة ابن عربي اينما حلّ، ولو قايضني علوان على أكثر من الشعر لما ترددت، فكيف وقد  أخذتني التفاصيل في (موت صغير) خصوصاً تلك التي كانت بحجم المايكرو، أخذتني خبرة علوان الاستثنائية في سبر أغوار التاريخ  ودهاليز الاجتماع البشري، في الطب ووصفات العطارة، في اقتصاديات الحروب، في أفول العملات وانتقالها من حاضنة إلى حاضنة، في انتظام المدن ومسالك العمارة، في الترجمة وأسواق الوراقة، لقد كان شيئاً مذهلا بحق.

من هنا أصبح لدي إيمان راسخ بأنني لم أكن أمام رواية مواظبة على الروتين السردي الممل أو مهتمة بلباسها المدرسي وحريصة على حضور الطابور الصباحي كل يوم، بل أمام عالم متشابك من الخبرات في التاريخ وسواه من العلوم الاجتماعية والانسانية، ولم أستطع أن أمنع مخيلتي ـ ولو للحظة واحدة أثناء قراءة هذه الرواية ـ من تصور علوان وهو يستعين ببنائين خارقين كابن خلدون، وبرحّالة شغوفين مثل ابن بطوطة، وبمستشرقين لهم دربة كبيرة في الوصف مثل الليدي آن بلنت، وأيضاً بروائيين مصابين بداء الجذام التاريخي مثل جيلبرت سينويه، كل ذلك وسواه حتى تمكن علوان أخيراً من بناء كل تلك الحواضر المدينية الممتدة في صحراءه الكبيرة التي أسماها (موت صغير).     

أول ما لفتني في (موت صغير) هو اسم غالا القشتالية، ابنة فريدريك، المثقف النخبوي الذي يملك (صالوناً أدبياً) مختلطاً في مزرعته في أشبيلية، الصالون الذي كان يضم بين جنباته طيفاً أثنياً من المثقفين، وكان الشيخ الأكبر أحد هؤلاء، ولم يكن ابن عربي بداهة ليسيء تقدير الجمال فوقع في حب غالا التي بدت له وكأنها تنتمي إلى فصيلة قشتالية مهجنة ونادرة، فقررا -ابن عربي وغالا- أن يقرئا الكتب معاً، ويشربا النبيذ، قبل أن يستسلما للرقص مع الآخرين ولليال ممتدة وصاخبة، ولا أدري ما إذا كانت رقصة الـــ (سيفيلانا) التقليدية والمشهورة في أشبيلية الآن كانت فكرتها قد نبعت من مزرعة فريديرك وبإيعاز من الشيخ الأكبر، فلا يوجد لدي سبب آخر لبقائها كل هذه القرون سوى روح التصوف التي تسكن أجساد الأشبيليات أثناء أدائهن لها، متمنيّاً أن لا يعتبر هذا تهكّماً مني أو تقليلاً من أهمية ما كان يحدث في مزرعة فريدريك، ولا من آثاره عل مسيرة الرقص الشعبي الأندلسي، فأنا لا أستطيع شخصيّاً أن ألوم علوان، ولا غالا، ولا حتى الــ (سيفيلانا) على عدم مراعات ابن عربي للورع وآداب السلوك، حتى أن ظاهرياً مثل سبط بن الجوزي كان سيتكفل لو كان موجوداً بطباعة (موت صغير) على نفقته لأن هناك من استطاع أن يشهّر بالشيخ الأكبر كما لم يحلم هو أن يفعل، هزيمة أخرى لابن عربي أمام الظاهرية، وبمعونة علوان هذه المرّة، ، ستضاف إلى تلك الهزيمة التي مُني بها حين عصفت آراء السبط وابن حزم بكل مظاهر الحياة في أشبيلية وكانت سبباً في هجرته منها إلى قرطبة حيث سيلتقي بابن رشد وسيختبر المعنى الحقيقي للمدينة الميتروبوليتانية، هذه الهزيمة، إلى جانب هزائم أخرى مرشحّة للتكاثر في هذه الحاضنة العلوانية المتحمسة دوماً للتزاوج خارج الإطار، لا بد وأن تُحسب من المرات اللافتة التي يحدث أن تتفق فيها السلفية مع الحداثة على تعريف عدو مشترك ثم القيام بتصفيته دون هوادة.

وإذا كان عليَّ أن أستمر في هذا النقاش مستقبلاً، أو أن أستعيد مشاهد تلك المسرحية الهزلية التي نصبها علوان في مزرعة فريدريك من جديد، هنا أو في أي مكان آخر، فسأتحدث حينها متكأً على شروح لسانية، وجداول كمّية، ورسومات بيانية وفاءً لروح دي سوسير وقاعدته العريضة، كل هذا لأحاول الاقتراب من سيرة ابن عربي الحقيقية وعمق ما يتحلى به من مناعة عرفانية كان من المقدر لها أن تقيه زوابع الأدب، ولا يقفز متحمسٌ ساعتها ليقول لي بأن المعالجة الروائية لها مجازاتها وفضاءاتها الخاصة محاولاً التقليل من  أثر الحدث الذي وقع في مزرعة فردريك على السيرة المتخيّلة للشيخ الأكبر، فأنا شاعر وأعرف ذلك جيدا، وأعرف أيضاً بأن لطعم التفاحة أن يتغير عند انتقالها من حقل إلى آخر ولكنها تبقى تفاحة، وأعرف بداهةً أن ما كان يتعاطاه ابن عربي مع غالا في مزرعة فريدريك لم يكن تفّاحاً !!.

كلام أمس الأحد

https://www.sobranews.com/sobra/175124

غداً الثلاثاء.. كلام أخير

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com