من شعره.. أزمة البيض في حياة الملا علي الرمضان دجاجه يبيض في بيت الجيران

القطيف: صُبرة

في حياة الشاعر السعودي الملا علي الرمضان؛ جانبٌ فكاهيٌّ سجّله في شعره، ونشره في ديوانه الوحيد المعروف بـ “وحي الشعور” المطبوع سنة 1959 في النجف. وفي الجزء الثاني من الديوان ما يُشبه فصلاً من “الهزليات”، اعتنى فيها الشاعر بمماحكات وممازحات متصلة بنمط الحياة في القطيف.

في “الهزليات” نصوص يقرّع بعض تلاميذه، ويحذر من “التتن”، وركوب “السيكل”، إضافة إلى نصوص وصف رحلات، وهجاء “اقرع” ومعمم، ووصف عنف هر، وإشارات إلى وقائع حرجة لو نُشرت في زمننا، لواجه الملا لوماً عنيفاً.

وفي ذلك الفصل الهزليّ بضعة نصوص خاصة بالدجاج والبيض. نعم بالدجاج وبالبيض، ومن زاوية مشكلة كانت معروفة في نمط الحياة القديمة في القطيف؛ مشكلة تسرّب البيض إلى بيوت الجيران.

عُريجان لا تبيض..!

حسب نصوص الديوان؛ فقد كان المعلّم والخطاط والشاعر الرمضان؛ يربّي الدجاج في منزله، ربّما لم يكن يباشر تربيتها بنفسه، ولا دليل على ذلك؛ غير أن وصول العناية إلى الشعر والنظم في مسائل صغيرة؛ تُشير إلى أن الموضوع له مستوى من الجدية يُضارع مستوى الهزل..!

من ذلك قطعة من النظم الموزون سجّل فيها قصة دجاجة “أصيبت بضربة طفل بعصا، فصارت عرجاء، وقد أصابها مرض الركاك”..! وبسبب الضربة؛ لم تعد الدجاجة تبيض.. فقال فيها:

عُريجان كفّي عن المرجَنِ

فليس الجلوس بمستحسنِ

ولا تطلبي ما يُسيء النساءَ

على أنه ليس بالهيّن..!

وكنتِ تفيدينهم بيضةً

لدى كل يومين.. لا تنثني

فهل لكِ من عودةٍ بعدها

إلى ما يسرُّ ولم يُحزنِ..؟

وبالفعل؛ عادت الدجاجة “عُريجان” إلى إنتاج البيض:

أفادَ العتاب بها؛ فانثنت

تبيض، فقرّتْ إلى الأعينِ..!

الجيران يأخذون البيض

ولكنّ هناك قصة أخرى لدجاجة في البيت، تعوّدت أن تبيض في بيت الجيران..

ولا تنسَ سوداءَ كانت لنا

تبيض لدى الجار، بالمسكينِ

وإن هي باضت يروا بيضها

حلالاً لهم، كالشراب الهني..!

وبدلاً من أن تدخل عائلة الملا الرمضان في مشكلة مع الجيران بسبب البيض؛ عمدت إلى طريقة أسلم، حبسوا دجاجتهم في بيتهم، حتى تعودته فصارت تبيض في بيتهم:

ومذ أصبحوا حبسوها به

وغطوا عليها، فلم تنثنِ

فباضت وصاروا لها يرقبون

دواماً لتعتاد بالموطن

وتأتي صباحاً إلى بيتنا

تعاود للبيض في المرجنِ

GPS بالشعر

ويبدو أن مشكلة البيض عند الجيران لم تنتهِ.. هناك دجاجات أخرى “تخون”، وعلى هذا تساءل الملا بحزن:

أفي كلّ يومٍ بيضةٌ من دجاجةٍ

تضيع وتغدو، ليس يُدرى مكانها..؟

فوا أسفاً للبيض تمضي قروشهُ

إلى الغير، والمُلّاك صِفرٌ بنانُها

ولكن الملا يعرف إلى أن تذهب دجاجته، وبلغة الشعر حدّد البيت، بيت الجيران.. وكأنه نظام GPS:

ولكن رأينا سابقاً، غير مرةٍ

دجاجتنا تمضي لدارٍ، بيانُها:

من البيت غربي الدور، خابت دجاجة

تبيض بها، بل صار هَزلاً سِمانُها

رثاء طيور

ومثلما هجى الملا الرمضان الدجاجات “الخائنة”؛ رثى الطيور.. ذلك يُشير إلى رقةٍ بالغة في قلب الشاعر القديم.. وقبل القصيدة كتب الملا الرمضان تقديماً قال فيه “ذات يوم؛ وطأت زوجة ابني “عبدالجليل” على فرخ؛ فقُتل، فتأثرت له، إذ رأيت منظراً مفجعاً”..

وجاء في القصيدة:

وكانت له أمٌّ حنونٌ، دجاجة

تراعيه، ليلاً والنهار، ولا تمل

فيا للشجا من وطأة الرجل، قد غدا

وأمعاؤهُ تبدو، فيا خيبة الأمل

فها نحن لم نبرح بحزنٍ وعولةٍ

عليه، ودمعٍ من عيونٍ قد انهمل..!

كما رثى ذكر حمام قتله جرذٌ في بيته:

قد دبّ يسعى فاتكٌ بك في الدجى

جرذٌ، جريءٌ، نالَ منك مراما

قد كنتَ تحمي الغاب، دأبَ ليوثها

وترد معتدياً، وتضرب هاما

لكنْ بُليتَ بغير جنسك فارساً

دأباً يمزّق نابُه الأجساما

ها تلك زوجتك الحُميرا، ما لها

حامٍ، يناضل دونها الأقواما

أرملتَها، وتركتَها محزونةً

تُجري دموعاً ـ من نواك ـ سجاما

محتوى اجتماعي

بالقدر الواضح من الهزل العابر؛ تُشير مثل هذه النصوص إلى نمط الحياة القديم في القطيف، وشعر الملا علي الرمضان يسجّل الكثير من حياة الناس قبل تحوّلات ما بعد النفط.. و “وحي الشعور” خامة أدبيةٌ جديرة بالاستنطاق الاجتماعي، لاحتوائها على الكثير من النصوص ذات المداليل المهمة، اجتماعياً وثقافياً.

ولعلّ في أساليبه الكلاسيكية ما يسهّل أي مشروع من هذا النوع، خاصة أن لغته مباشرة، وتركّز على إيضاح المعلومة، أكثر من عنايتها بالبُنية الفنية.

رحم الله الملا علي الرمضان.

‫2 تعليقات

  1. ألف رحمة ونور تنزل على روحك الطاهرة يا عمي العزيز، حشرك ربي مع من تواليهم محمد وآل محمد عليهم السلام 🤲ما زلت في القلب ما نسيناك.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×