[الحلقة الثانية] ثُنائية “السادة” و “العَوَام” في مجتمع القطيف قراءة لغوية في مجتمع ما قبل النفط

حبيب محمود

تبجيل السادة؛ أنتج تشابكاً بين ما هو واقعيُّ وبين ما هو خرافيّ في التفكير الاجتماعي، وفي تعامل سكان القطيف مع أبناء الأسر الهاشمية.

بلغت الخرافة حدّ الخوف من “التشويرْ”. ومعنى الكلمة أن الشخص له كرامة، بحيث تلحقك “حوبة” من أذى أو مرض، أو تُصاب بمصيبة إذا آذيته أو اغتبته أو ظلمته. فيقولون “سيد يشوُّرْ” و “سَيْدهْ تشوُّرْ”.

هالة “التشوير” تنسحب، أيضاً، على العلماء وذوي الورع.

ولديهم مثلان آخران يقولان:

* حـَوْبةْ سيد..!

* حـَوْبةْ عالم..!

ويبدو أن مصدر خرافة “التشوير” عراقيٌّ. ففي العراق يكاد يكون “التشوير” فوبيا اجتماعية تجاه الأولياء والصالحين. وتمثل شخصية السيد العباس بن علي بن أبي طالب، المدفون في كربلاء، ذروة الأمر، إلى حدّ أنهم يخافون الحلف به كذباً، تحاشياً لـ “التشوير”.

وقد يقصد حرمَه شيوخ العشائر والمتنازعون ليحْلفوا عند مرقده.

وفي الثقافة الشعبية العراقية، الكثير من القصص والحكايات والصفات البطولية الخارقة التي شاعت حول شخصيته. وعلى الرغم من أن العباس بن علي ليس من أئمة الشيعة وليس من ولْد فاطمة وليس من المعصومين في عقيدة الشيعة، فإن شخصيته مُحاطة بهالة من “الهيبة” تُخيف الكثيرين. ويصفونه ـ في العراق ـ بأنه “حارّ الرّاسْ” و “حاميْ الضعينهْ” و “أبو فاضل” و “كافل الوديعهْ” و “ساقي العطاشَىْ” و “أبو مَريُوشْ” و “سَبْع القنطرَهْ”..!

وهو ما جعل منه شخصية أسطورية في الثقافة الشعبية العراقية. حتى أن الفسَقة والطالحين يتحاشون دخول حرَمه خوفاً من “تشويره” أيضاً.

الصورة الأسطورية للسيد العبّاس آتية من بطولته التي صوّرها التاريخ في موقعة كربلاء. فقد كان ساعد الحسين الأيمن في المعركة، وحامل لوائه. وتفاصيل قصة مقتله ممتلئة بقيم الجسارة والفداء. وجزءٌ كبير من هذه الرؤية الشعبية العراقية موجود في القطيف القديمة.

وقد حصل السادة ـ ربما من دون أن يطلبوا ـ على هالة “تشوير” مُسرفة في تصوّراتها الميثولوجية، كنتاج طبيعيّ للتبجيل المبالَغ فيه، أو ربما نتيجة للتعاطف الوجدانيّ مع وضع السادة الذين لُوحقوا، على امتداد التاريخ، وتعرّضوا للظلم والتنكيل على أيدي الحُكّام، وبالذات في الدولتين الأموية والعبّاسية.

يبدو الأمر وكأنه تعويضٌ لهم عمّا لحق بهم. السادة سادة، لا يُؤذَون ولا يُظلمون ولا يُضامون. وقد يصل الأمر إلى حدّ أن “السّيْدَهْ” لا تدخل بيتها ضُرّةٌ لها، خاصة “سَيْدَه” مثلها. وثمة جدلٌ فقهيّ حول “كراهة” الجمع بين “الهاشميتين”. ويبدو أنه جدلٌ بات محسوماً لصالح عدم وجاهة المسألة برمّتها. بمعنى: لا أصل فقهياً يُعتمد عليه في ذلك.

ويجد العوَامُّ في الزواج من “سَيْدَهْ” شرفاً كبيراً، فالرجل سوف “يصاهر النبي”، وحين لا تكون “السّيْدَهْ” المخطوبة جميلة؛ فإن هناك مثلاً ساجعاً يُنقذ الموقف ويُقنع الخاطب:

إذا ما حلاّها خدْها؛ حلاّها جَدْها..

والمعنى: إن لم تكن جميلة في شكلها؛ فإنها جميلة بانتسابها إلى النبيّ.. جدها. وينطبق المثل على “السيّدْ” غير الوسيم أيضاً حين يتقدم للخُطبة.

اقرأ أيضاً

[الحلقة الأولى] ثُنائية “السادة” و “العَوَام” في مجتمع القطيف

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com