لماذا لا يترك المنبر وشأنه…؟

علي الخنيزي

حينما يكون لديك لاعب مهم في تشكيل هوية وثقافة الناس؛ فلا يسعك الجلوس على مقعد اللامبالاة، لا يسعك إلا أن تريد له الأفضل وأن تمنحه حقه من الرعاية.

أي كيان على هذا القدر من الأهمية له الحق أن يستمر وينجح، أو على الأقل يظل قادراً على لعب دوره الحيوي والفعال وتحقيق أهدافه ابتداءً من البقاء، وصولاً إلى النجاح في تقديم افضل انتاجاته. ويتحقق ذلك بمنحه القدر ذاته من النقد المهتم بشتى الأشياء المراد لها الارتقاء، على الصعيد العملي والعلمي والفني وغيرها.

تماماً مثلما نعتني بمؤسساتنا المدنية، ونبذل لها من التقييم والمساهمة بالانطباع كأقل تقدير، أو الرأي العلمي أو النقد الفني، أملاً في أن تؤول هذه المساهمة؛ إما إلى إفادة هذه المؤسسة وملاقاة طموحات جمهورها من المستفيدين، او دعم إدارتها على تكوين القراءة الواقعية والموضوعية لبناء وتشكيل هذه المخرجات بصورة أكثر نجاحاً وقدرة على عبور نفوس مستفيديها.

هدف الجميع هو المصلحة العامة، مصلحة معتلي المنبر من أهل العلم والخطابة، ومصلحة رواد المنبر والمتأثرين بنتاجاته، وما يبث عنه ويلعب دوراً فاعلاً في حياة الجميع من القريب والبعيد، خصوصاً أولئك الذين يدفعهم الشعور بالواجب الإنساني الى أداء دورهم في تقديم افادتهم عن انعكاس هذا الخطاب أو ذاك، وما قد أثر أو يؤثر في حياة الناس.

لا أحد منا يهدف للإطاحة بأحد، إنما نريد الهداية والاصلاح، أليس كذلك؟ مجدداً.. بكل براءة أعتقد ذلك.

على هذا يُفتَرض ألا يكون هناك بأسٌ من انه حين يطلع خطيب على منبر بكل شجاعة، و يبث في الحاضرين والغائبين من قول نجد استشكالاتنا عليه، على أي صعيد كان أدبياً او اخلاقياً او معرفياً او غيره، ولهم علينا ألا يُفتي أحدنا بما ليس له به من علم، و ان لا نشاغبهم بما لا يرتقي إليه علمنا وادراكنا، فأضعف الإيمان الاستفهام لا اكثر، خصوصاً اذا كان واضحاً جلياً لك بشكل عقلاني منطقي اخلاقي.

إن من بين ما سمعته على ذلك المنبر، أن هناك خللاً ما في الصورة، وليس أي خلل، بل خللٌ السكوت عنه قد يؤدي الى مفسدة تهدد سلامة الناس.

حين تجد خطاباً معلباً مكروراً لم يتضح اجتهاد مقدمه لا في البحث والتثبت من صحة المعلومات ولا بالصياغة ولا فن الخطابة، حتى ان ابن سنوات عشر قد يجده حديثاً مفنداً منتهي الصلاحية، كما أنه لا يرقى الى مستوى من يفترض بهم الأهلية الى صعود هذا المنبر العلمي المعرفي الاخلاقي المهم.

حين تجد لغة هذا الخطاب ـ فضلاً عن معلوماته ـ  تحمل سمية بقدر من الخطورة يؤثر في سلامة الناس في مجتمعك وغيره ؛لا يبدو لي انه من الصائب ان تسكت فكما يقال “الساكت عن الحق شيطان أخرس”.

ولأن الناس لم يعودوا بتلك البساطة الفكرية حين كانوا محبوسين داخل قمقم قريتهم، أبصارهم وعقولهم باتت منفتحة على كل مصادر المعرفة في العالم، والباب ـ لا شك ـ مشرع على نوافذ العلم والمقارنة، ويرون بين ذلك ان طلب النقد سِمة رئيسة في كل مؤسسة احترافية، ووسطٍ علمي راقي على مستوى العالم.

نعم قد يكون بعض النقد لاذعاً، قد يفتقر بعضه للاسلوب ايضاً، وقد يتسم بعضه بالخشونة والشخصنة ايضاً، إلا ان كل هذه المنظومات تدرك أهمية المعلومة وضرورة الاستفادة منها واستخلاص منافعها وتوظيفها والتفاعل معها بأصلح صورة تعود بالمنفعة على الجميع، لذلك هي لا تهمل اي رأي حتى الخاطئ منه وتوظفه لمصلحتها و الآخرين.

جميع المنظومات التي تدعي الاحترافية والصدق والشفافية والسعي الدائم للأفضل، تتقبل النقد وتستفيد منه ولا تقمعه او تقصيه، ومن ليس لديه شيء يخفيه، لا يخشى النقد، كما ان كل من يثق في نفسه ويدعي تمثيل شيء عالي القيمة الفكرية والثقافية يعلم أنه يستطيع ان يتعامل مع كل اشكال الاختلاف بكل روح خلاقة وحيوية وتفاعلات صحية.

والمنظومة التي تريد لمستفيديها الارتقاء، تشجعهم على التفكير النقدي والتحليلي والاختباري و ممارسة تحكيم العقل،

وعلى النقيض تماماً، كل منظومة غير صادقة او دكتاتورية او مستبدة تشك في شرعيتها وتخشى انكشاف أجنداتها او افشال مأربها، تهرب خلف جدران من تكميم الافواه وتقييد الألسن  تلجم الناس بكل ما أوتيت من بطش و ارهاب.

الجميل في الامر انك لن تجد هذه اللغة على لسان علماء الدين من المراجع و القيادات العليا في كل المذاهب، شخصياً لم اجده يوماً، بل على العكس ستجد كل النماذج و الأمثولات المثيرة للاعجاب والتقدير من الاتسام بالحلم والتقبل بل والتشجيع على هذه الظاهرة الصحية، ظاهرة الاختلاف والنقد، ابتداءاً من احاديث من يقتحمون مجلس النبي باستشكالاتهم حتى روايات من يغلظون على الخلفاء والأئمة في طرح نقدهم او اختلافاتهم، ثم المشاهد التي نقرأها عن سائر الفضلاء من علماء وريادي هذا المنبر، جميعهم كان نهجه الترحيب بهذا و يثني عليه ويتعامل معه بكل ود ورغبة في العطاء، اذ انهم كما يبدو للمتابع قد كانوا يتمتعون بالاخلاق والعلم والثقة والصدق، والصادق لا يخشى ان يعترف ان اخطئ.

اذن من اين اتت ظاهرة هذا الكبح واللجم والتكميم بل والعصمة لكل رجال المنبر بلا استثناء، ثم الهلع و الخوف عليه من ان يتكسر ولكأنه في منتهى الهشاشة؟

كما يرى المشاهدين والمتابعين الى هذه الحالة في القريب والبعيد انها لم تتمثل سوى في البعض من غير الموفقين من اهل الاجتهاد في العلم او عدمه، اللذين اما خانهم التعبير او لم تسعفهم القدرة.

 انما القدر الاكبر والاكثر ملاحظة كان يأتي من التابعين و المريدين اللذين لا يتمتعون بالقدرة على تقبل الاختلاف و اللياقة الفكرية على التمييز بين النقد الفكري الموضوعي و بين المهاجمة الشخصية، و من لا يفصلون بين المعصوم و بين الانسان المجتهد و العامل و الذي هو بكل طبيعية الحال معرض للخطأ و الصواب حاله كحالهم.

فكما رأيت من قبل او ستلاحظ في المستقبل ان غالب من سينبرون الى مقاتلة صاحب كل رأي او نقد بناء سواءاً من اهل الاختصاص والاجتهاد او حتى من العامة من الابرياء او مجرد الملاقيف، ويكفرونهم ويجرمونهم ويدخلون في نواياهم ويشككون في شرفهم وشرف ابائهم و اماتهم، هم من اللذين ابتلى بهم اهل هذه المنابر من المريدين (الابرياء ايضاً) اللذين ارادوا ان يكحلوها فعموها على الاغلب، وبدل ان ينتصروا لدينهم او رجالهم ومنابرهم، اثبتوا الشكوك وابعدوا الناس اكثر و اوسعوا الهوة والشرخ و اساءوا لصورة المنبر والدين ورجاله بسفارتهم الفاشلة في الفكر والتنفيذ.

بعد هذا كله اسمح لي ان اجيبك عن نفسي على سؤال المليون

لماذا لا يخلى المنبر في حاله؟

الجواب بكل بساطة: لأنه في غاية الأهمية.

تعليق واحد

  1. غير المنبر الديني ايضا مهم
    فلماذا لا يقبل النقد لها بنفس الاسلوب الذي ينقد به المنبر
    انا مع النقد الهادئ بعد فهم مراد المتكلم او المؤلف و سواهما
    ولكن النقد شيئ والتقريع شيئ اخر
    لا تنسى ان الامام علي عليه السلام عنما واجههالاشعث بن قيس باعتراض يستبطن وقاحة اجابه امير الحلم ع
    مالك وهذا انما انت حائك بن حائك منافق بن كافر
    اذا كما ان ليس كل منبر مفيد كذلك ليس كل ناقذ مستفيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com