مريم السيهاتي.. إرثُ الجدّة أدخلها ميدان منافسة الرجال.. في الخياطة بدأت هاوية.. وشقّت طريقاً صعباً وسط طوفان "الخيّاط النسائي"

سيهات: شروق الحواج

منذ مطلع الثمانينات الميلادية؛ تحوّلت مهنة الخياطة النسائية من أيدي بنات البلد؛ إلى أيد المقيمين الآتين من الهند وباكستان. وكما هوحال كثير من المهن التي حملها أبناء البلد عبر الأجيال؛ فقدت كثير من السعوديات عملهنّ وسط موجة “الخياط النسائي” الرجل الذي يحمل إقامة، ويعمل في محلّ، تحت كفالة سعودي.

لكنّ مريم السيهاتي؛ شقّت طريقها وسط الزحام، حتى أثبتت وجودها كـ “خياطة” محترفة، على الرغم من أنها لم تتوقع  ـ في يوم من الأيام ـ أن هوايتها التي بدأتها في سن الـ 10سنوات، ستكون مصدر دخل أسرتها اليوم، وعمرها يسجل الـ40 ربيعاً، ولم تكن تدري أيضاً أن المهارات الخاصة التي اكتسبتها في المهنة ذاتها، ستجعل منها خياطة من الطراز الأول في مدينة سيهات، تقصدها الأسر من جميع أنحاء القطيف.

اكتساب مريم لهذه المهنة، جاء بالوراثة مع المصادفة معاً، فعندما كانت في الصف الخامس الابتدائي، كانت تراقب جدتها التي امتهنت الخياطة، وتتأملها من بُعد، وتكتسب المهارات منها نظرياً، بعد وفاة الجدة، ورثت الأم المهنة ذاتها، وكانت مريم تتأملها أيضاً في صمت، وتسألها عما خُفي عليها، وتسجل المعلومات في ورقة صغيرة. وعندما كبرت مريم، كانت تجلس خلسة على ماكينة الخياطة، وتقلد بعض التصاميم.

محاكاة التصاميم

وتقول مريم عن تلك الفترة “كثيراً ما كنت أتساءل عن متعة أمي في ممارسة الخياطة، والأسباب التي دفعتها إلى محاكاة التصاميم التي تراها، ووجدت أن مهارة أمي في حياكة الملابس أثرت في، فحاولت تقليدها، وكنت استخدم ماكينة الخياطة الخاصة بها، بحثاً عن تلك المتعة”.

طموح مريم لم يتوقف عند الجلوس على ماكينة الخياطة، وإنما سعت إلى تطوير نفسها بنفسها، فأخذت تبحث عن التصاميم الجديدة والحديثة في المجلات المتخصصة، وتعمل على تنفيذها بعد الإضافة إليها.

أدوات الخياطة

بدايات مريم كانت صعبة ومتواضعة “لم يكن لي القدرة على شراء ماكينة خياطة خاصة بي، فثمنها مرتفع،  ولم يكن لدي أدوات الخياطة المهمة، التي تساعدني على إثبات ذاتي في هذا المجال”.

ولم تكن أدوات الخياطة العائق الوحيد أمام مريم “ضيق الوقت عائق آخر، وكنت أقسم وقتي، بين جهد أبذله في احتياجات البيت، وبين ممارسة الخياطة والتدريب عليها يومياً، وكان هدفي الأول التعرف على الجديد والحديث في عالم خياطة الملابس، وأنواع الغُرز، والأزرار، والسحابات، وغيرها”.

وفي عمر الـ17 ربيعاً، طورت مريم من نفسها أكثر، وبدأت في حياكة المساند والشراشف، ثم خياطة بعض فساتين لأطفال العائلة. وتقول “فترة بعد أخرى، بدأت أناملي تتحرك بالمهارة التي تمنيتها، وبدأت أمارس الخياطة بنوع من الحرفية، التي دفعتني إلى تنمية أفكاري، وصنع أشياء جديدة غير تقليدية، مثل الدمى والألعاب وغيرها”.

شقيقة مريم

واكتشفت شقيقة مريم مهارتها في الخياطة، فقدمت لها هدية، عبارة عن ماكينة خياطة، من باب التشجيع والتحفيز للاستمرار في تلك الهواية. وتقول مريم “هدية أختي، شجعتني على التمسك بهذه الهواية، وبدأت أتطور مع الأيام، ووجدت المتعة الحقيقية التي كنت أبحث عنها في استخدام ماكينة الخياطة، ونشأت بيني وبينها صداقة قوية، وكنت أقضي ساعات طويلة معها، في التعرف على أسرار المهنة، واكتشاف إمكاناتي، وتطويع هذه الإمكانات في الاتجاه صوب الاحتراف”.

أمتع الأوقات

مع مرور الأيام، اكتسبت مريم المزيد من المهارات والخبرات، التي أهلتها لصناعة ثوب كل يوم بمجهود فردي، دون تدخل من أحد. وتقول “أصبحت ماكينة الخياطة جزءاً من يومي، أقضي معها أمتع الأوقات، فهي رفيقة ضربي، وكل صباح، أحضر كوب القهوة، وأحتسي رشفاته، وأنا أجلس على الماكينة، واستمع إلى أصوات الموسيقى أو المطر أو أمواج البحر، ويكون الناتج إبداعاً في تصاميم الأشياء التي أحيكها بنفسي، وبعد فترة وجدتني أتقن صناعة فساتين الأطفال بمهارة عالية، شجعتني على احتراف المهنة”.

وتُكمل مريم “تعلمت أنواع الغُرز بكل ما تحمله من أسرار ومهارة، وبسبب التركيز الشديد في هذه الغُرز، أصبت بالالتهاب الأعصاب، إلى أن وفقني الله وأتقنتها، خاصة غُرز السموكي اليدوية”.

أبنائي الستة

وتقول مريم “اليوم، أتخذ الخياطة مشروعاً استثمارياً، يدر علي دخلاً جيداً لي ولأسرتي، يعينني على المعيشة”.

وتقول “حبي لمهنة الخياطة فطري، يدفعني إلى ممارستها بإبداع، هذه المهنة تحتاج إلى صبر ودقة، ورغم أنني حاولت امتهان مجال التصوير في فترة من حياتي، إلا أنني لم أستطيع الابتعاد عن الخياطة، فوجدني أعود إليها طواعية، فهي عشقي الأول والأخير، وهي سبب سعادتي، تمنحني الطاقة الايجابية، وعندما أشعر بالضيق، أنظر في ماكينة الخياطة، فأشعر بالسعادة، وتتصاعد وتيرة الأفكار الإبداعية الخاصة بالخياطة في مخيلتي، فأقوم بتنفيها”.

دورات تدريب

شهرة مريم في المهنة، جعلتها تتلقى طلبات لتنفيذ دورات تدريبية لتعليم الفتيات الصغيرات أسرار المهنة، ولكنها كانت ترفض. وتقول “للأسف لا أتقن طرق الشرح والتوضيح للآخرين، وللك كنت أعتذر عن قبل هه الطلبات”. وتقول “من وجهة نظري، أرى أن الخياطة موهبة تنمو مع الشخص أولاً، ثم يأتي بعد ذلك دور الدورات التدريبية التي تثقل هذه الموهبة”.

20 عاماً

وتقول “طول 20 عاماً أمارس فيها الخياطة، لم أقلد أحداً، وإنما أبدع تصاميم جديدة، وأحياناً أتعمد المزج بين التصاميم المتنوعة، والخروج بأشكال جديدة مبدعة”.

ولا تنكر مريم وجود بعض الصعوبات التي تواجهها “أنا ربة منزل، قبل أن أكون خياطة، أجد صعوبة في التوفيق بين مشاغل البيت ومتطلبات المهنة، ولكن بنوع من التنسيق، أستطيع إيجاد هذا التوفيق بين الأمرين”.

وتسعى مريم اليوم إلى تسويق أعمالها وتصاميمها. وتقول “أخطط لإنشاء موقع إلكتروني، يضم التصاميم الخاصة بي في الشبكة العنكبوتية”.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com