حميدة السنان تنطق بعد صمت طويل: ضُربتُ وأُهنتُ ولم أتوقف عن الفنّ تحلم بأن تصبح طفلة وتنصح الجنسين: كونوا أحراراً

القطيف: شروق الحواج

“تعرَضتُ للضرب والإهانة والخذلان”.. هكذا تحدثت التشكيلية حميدة السنان عن حياتها التي لم تنحصر بين الرسم والشعر، ورفضت ـ كما تقول ـ الرضوخ لتقاليد المجتمع وعاداته في تحجيم دور المرأة، وقررت أن تثبت ذاتها فنانة تشكيلية، وتؤكد لمن يهمه الأمر بأن المرأة فنانة بطبيعتها، ولديها من الأدوات والعزيمة ما يجعلها مبدعة دائماً، بعكس الرجل الذي يميل إلى الغزوات والحروب.

التجربة الحياتية لحميدة، التي عاشت في القطيف، تبدو ثرية وفريدة من نوعها، ليس لسبب سوى أن فيها من التحديات والصعوبات ما يجعل منها فنانة “استثنائية”، أرادت أن تطوع الفن لخدمة المجتمع، وتوعية أفراده، ولهذا، ترى حميدة أنها حققت في هذه التجربة الطويلة كل ما سعت إليه وطمحت فيه، ولم يعد لديها أمنيات أخرى، سوى أن تعود طفلة صغيرة تلعب وتمرح ببراءة شديدة.

 

منزل طيني

ولا تنسى حميدة السنان نشأتها الأولى في منزل طيني يقع في قلعة القطيف، ويقفز أمام ناظريها مشاهد أمها التي كانت تستثمر مهارة أصابعها في ممارسة أنواع من الفن؛ مثل الرسم على الحيطان، وزركشة التكيات، وتطريز المفارش.

 وتقول حميدة “تعلمت من أمي كيف أصنع فناً من حركات الأصابع، وكيف أضع اللون بجانب اللون، ليكون الناتج لوحة جميلة متناسقة الأولوان، وخلال تعاملي اليومي مع الألوان، أفضل اللون الأزرق.

 منذ الصغر

موهبة السنان في الرسم منذ الصغر، دفعت أسرتها إلى الاهتمام بها وتبني موهبتها، فشاركت في معرض مسابقات أرامكو للأطفال عام 1980، وكانت أسعد لحظة عاشتها ـ آنذاك ـ حينما فازت بالمركز الأول، وتلقت جائزة عينية ضخمة، ومنذ ذلك اليوم، وهي تخطو خطوات كبيرة وواثقة نحو تعزيز مستقبلها الفني. ورغم كثرة الجوائز التي حصلت عليها، تبقى هذه الجائزة الأغلى في حياتها.

 

أول معرض

وتقول حميدة “واجهت التحديات من أجل أن أثبت نفسي امرأةً فنانةً، تعيش في بلد يعج بالمعتقدات والأعراف المحافظة، فكنتُ صاحبة أول معرض شخصي في محافظة القطيف، واستطعت أن أوفر لنفسي المناخ الفني والفكري لنقل تجاربي الفنية، وطوعت ظروفي الأسرية الصعبة، وأكبر تحدٍ  وجدته، يكمن في كيفية إقامة معارض فنية، ونشر إنتاجي إعلامياً، وتسليط الضوء على نتاجي الفني”.

في العام 1994 أسست حميدة “أتليه”. وتقول عنه “كان هدفي الأول منه إشباع رغبتي أن يكون لي مكان خاص، أمارس فيه الرسم التشكيلي، ومن ثم تطور الأمر من “الإشباع” إلى “النشر”، وتعليم السيدات كيف يكن فنانات مبدعات، وتوجهت بعد ذلك إلى تعليم الأطفال، ووجدت فيهم وعياً وحساً فنياً، يؤهلهم أن يكونوا مبدعين في المستقبل”.

ميزات الطفل

وتؤمن حميدة بأن عالم الطفولة واسع ورحب ومُحفز على الدخول إلى دهاليزه لكشف أسراره. وتقول “في هذا العالم، اكتشفت العديد من المواهب المحبة للفن بتلقائية مدهشة، والغريب أنني التقيت أطفالاً لديهم قدرات وطموحات هائلة، لأن يكونوا فنانين، ولكن يحتاجون إلى من يوجههم ويرشدهم إلى الطريق الذي عليهم أن يسلكوه”.

وبمشاعر لا تخلو من أمومة، قالت حميدة “تعاملت مع هؤلاء الأطفال على أنهم أبنائي، وأدركت أن لكل طفل ميزات فنية معينة، لا تشبه الميزات لدى غيره من الأطفال، وكان عليّ أن أكتشف هذه الميزات وأصقلها حتى تؤتي بثمارها”.

ومن أجل هذا، حرصت حميدة على معرفة التاريخ الأسري لكل طفل، وأفكاره الشخصية، وتوجهاته، ومن هنا استطاعت أن تحدد آلية تعاملها مع كل طفل، للوصول إلى الأهداف المطلوبة.

طبيعة المرأة

وترى حميدة أن المرأة بطبيعتها الأنثوية، فنانة، تعشق الإبداع في كل أمر تتولاه. وتقول عنها “هي الأم، والزوجة والأخت والابنة، تميل إلى الهدوء والسكينة، تعشق كل ما هو ناعم ورقيق، وهي سبب الحياة على هذا الكون، بعكس الرجل الذي يشهد له التاريخ بأنه محب للغزو والحروب”.

وتتابع “العوائق التي تواجه المرأة في الفن مختلفة ومتفاوتة من مجتمع إلى آخر، ومن عمر إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، وإذا ما تحدثت عن مجتمعنا السعودي، فهو بلا شك مازال يعاني من الأعراف والتقاليد التي تنحي دور المرأة الفنانة”.

 

معاناة اللوحة

وترى حميدة أن الرسم التشكيلي فيه معاناة، ويحتاج إلى أن يكون الفنان مُلماً بملامح تجربته، حتى يستطيع ترجمتها على اللوحة بصدق فني. وتقول “الرسمة لا تأتي صدفةً، فهي مثل قصيدة الشعر، تأتي تبعًا لحالة الشاعر النفسية وتجربته الشعرية”. وتضيف “هناك عدة تدخلات مختلفة تسبق ولادة اللوحة التشكيلية أو القصيدة، فالمواظبة والممارسة الإبداعية، هي أوفى خادم للمبدعين، تساعدهم على إظهار إنتاجهم”.

 

الشعر

وبجانب الرسم، لطالما عشقت حميدة سماع الشعر وقرضه. وترى أن الشعر هو الذي يلهمها أفكار الرسم. وتقول “الشعر غيمة مثقلة برائحة المطر، أو لحن تمتزج نغماته مع لمسات فرشاتي، فأبدع فناً جميلاً، وكثيراً ما أحب أن أسمع الشعر وأنا أرسم لوحاتي، وكثيراً ما كتبت الشعر وأنا أسمع الموسيقى أو أمارس الرسم”.

 

عودة الزمن

وتقر حميدة بأن ليس لديها طموح تسعى إلى تحقيقه كفنانة. وتقول “بعد هذه التجربة الطويلة نسبياً في عالم الفن، أستطيع التأكيد على أنني حققت كل طموحاتي الفنية، ولم يعد لدي ما أرغب في تحقيقه”. واستدركت “إذا لي طموحات الآن، فهي أن يعود الزمن بي إلى الوراء، وأصبح فتاة صغيرة، تلعب وتلهو هنا وهناك، وتخوض المغامرة تلو الأخرى، وتنطلق في عالم مليء بالبراءة”.

وتُكمل “أما حلم المستقبل، أن أعيش حياة مختلفة، وأن أمثل فيلمي في سلسلة أفلام هوليود، لذلك فمشروعي الحالي، مشاهدة الأفلام، وعمل المجسمات الضخمة في حديقة الأتليه، ورسم الجداريات الضخمة، وتعليم أكبر عدد من المواهب، وعمل الاحتفالات الثقافية، والمعارض”.

 

نصيحة للمرأة

وتوجه حميدة السنان نصيحة لكل امرأة أو رجل يعشقون الفن “لمن يرغب في دخول عالم الفن التشكيلي أو قرض الشعر، فيجب أن يكونوا أحراراً من كل المعتقدات الاجتماعية، والعقد المعيشية، والتاريخية، ويعيدوا صياغة أفكارهم بالتأمل، في ابداعات الله سبحانه وتعالى، كما عليهم بالقراءة المستمرة، ومصادقة الكتاب، وهذا كله مع اتباع نظام معين، لا يتعارض والحرية، ويستثمر كل الطاقات والوقت”.

توعية المجتمع

وتتخذ حميدة من الفن وسيلة لتوعية المجتمع، وخاصة المرأة، ولفت انتباه الجميع إلى الإبداع والجمال. وتقول “المرأة إنسانة واعية، وبوسعها الاعتماد على نفسها، ومن إحدى مهامي كفانة، مساعدة المرأة على الانعتاق من كل الرواسب المثبطة لعزيمتها، ومازال همي نشر الفن والجمال في نفوس محبة، صغاراً كانوا أو كبارا”.

وتتابع “أستطيع أن أحقق مهامي تلك، يساعدني في ذلك أن الفن شيء غريزي، ملتصق بالانسان منذ بداية تاريخه على كوكب الأرض، وهذا الفن بالتأكيد داعم لمسيرة الإنسان، كما أنه عنصر المتعة والتسلية والترفيه، ولا أستبعد أن يكون العامل التطهيري لروح الانسان، بصفته ابتكارياً، يمنحه العتق من هموم ومآسي الحياة، كما أنه يعمل على توعية الفرد تجاه الطبيعية والآخر”.

وتركز حميدة حديثها إلى طبيعة الفن في العالم الإسلامي، قائلة “لا يزال الفن في عالمنا العربي متردد الخطى إلى حد ما، والعالم العربي بطبيعته يضع المرأة في خانة العيب والحرام أكثر من اللازم، لذلك أرى أن هناك صعوبات شتى تواجه المرأة في العالم العربي”.

مشاركات وجوائز

ولحميدة السنان مشاركات عدة، تتلخص في إقامة 11 معرضًا فنيًا داخل المملكة وخارجها، لكل منها تجربته المختلفة. وتنوعت مشاركات حميدة بين معارض شخصية، أقامتها في دول عربية وأجنبية. وفي عام 1991 حصلت على الميدالية الذهبية للمعرض الدولي الثالث لفناني دول مجلس التعاون في دولة الإمارات العربية، وفي عام 2001 حصدت جائزة المركز الأول لمعرض مسابقة “الفنانات السعوديات” في الرياض، وبعدها على جائزة “التحكيم” مرتين في عامي 2002 و 2004 من وزارة الخارجية السعودية، في مسابقة السفير، كما حصدت جائزة “المرأة والإبداع الدولية” في مملكة البحرين، وتم تكريمها عام 2012 من قبل جمعية الثقافة والفنون فرع الدمام، باعتبارها أول فنانة رائدة في محافظة القطيف، وفي عام 1998 حصلت على جائزة “ملون السعودية” للخطوط السعودية، ونالت جوائز متعددة للفن السعودي المعاصر.

تعليق واحد

  1. نعم الفنانة و الانسانة بنت عمي عرفتك منذ الصغر و انتي الجارة القريبة كنت اتذكر غرفتك و جدرانها و لوحاتك و اناملك المبدعة ..لك مني كل التوفيق و الازدهار 💐

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com